في المجتمع العراقي ( هل من ثقافة لقبول المختلف والمتنوع ) ؟؟

 

في البدء كلمة

 

خمسة أعوام مضت وبلا رجعة ...... ومجتمعنا العراقي يسير من سيء إلى أسوا. ولا تزال فكرة التعددية والقبول بالمختلف وتنوعه والديمقراطية   بعيدة المنال ! فالواقع العراقي المُعاصر يعُطينا دلائل بأن الكثير لايزالون في تلك الذهنية العتيقة التي تمتاز بعدم مقدرتها على قبول المختلف في المجتمع ، ولا نزال إيضًا نشهد عَين الأساليب التقليدية في افحام اختلافه واسكات صوته واغتيال اختلافه!!
 
وقد لا يختلف اثنان معب ان قلت: بعد احداث 9 نيسان 2003 التي عصفت فينا وحصول ما لم يكن في الحسبان! نرى ان البلد قُسِم وحسب ادعاءات الساسة الافاضل الذين يديرون دفته  على أُسس الديمقراطية والمواطنة والكفاءة والتعددية وغيرها من الكلائش ........ لكن كانت صورة الواقع

مغايرة لما قالوه وصوره لنا !!
 
فالعراق وللأسف أصبح ( ككعكة) قسِمت لاقسام عدة لتوزع لفئات عدة ايضا. فراحت كل فئة تتناحر ووتتقاتل مع الاخرى لتثبت أنها هي صاحبة الحق في البلد وقيادته......... ليفتحون الابواب على مصرعيها لحزازيات قادتنا في نهاية الامر لفتن وصراعات وتنافسات لتزيد من عمق جرح نزيف العراق ولتتوسع الهوة بين اطياف الشعب الواحد!  ناهيك عن ان الاكثرية اخذت ما اخذته فكان لها حصة الاسد في كل شي ولتترك

 

الحواشي والحواف للأقليات ...........


 
ولكن سياسي البلد وكل من طبق تلك الاجندة قد تناسوا او تجاهلوا أمر مهم وخطير للغاية ، إلاّ وهو : ان خلفية الشعب العراقي وجذوره غير مهيئة اقله في الوقت الحاضر لطرح وتطبيق مثل تلك الطروحات .... وهم بذلك كانوا اشبه بمن ( اتى بالمعلف قبل الحصان)!!نعم أنهم حاولوا العمل بمبدا الفيدرالية والحرية على اساس التنوع والتلون وقبول الاخر المختلف ، لكنهم تناسوا ان الكثير من ابناء مجتمعنا لا يمتلك ارضية صالحة لتقبل مثل هذه الطروحات الجديدة ........ فاصبحنا (كالطفل الذي اطعموه الباجة بدلا من الحليب )!! فُأصيب باختناق وتقيؤ ودوران ..........

 

معظمنا لا يمتلك ثقافة الحوار والتنوع والقبول والتقبل للمختلف ، والكثير منا لا يمتلك ايدولجية التعددية. وعلى العكس من ذلك نرى الكثير تسيره عقلية الاكثرية والاولية ، وانا على صواب وانت على خطئ ........ ولازالت الكثير من العادات والتقاليد البالية تتسيد نظامنا الفكري .............
لذا اقول من البديهي ان يحصل ما لمسناه ،فاذا كانت البدايات خاطئة من المؤكد ستأتي النتائج سلّبية وغير مرضية ................ ولنتفحص الامور معًا بهداوة........

[/color]
استقراء للواقع المُعاصر:


اولاً: في مجتمعنا العراقي وللأسف تسيطر على الكثير منه ذهنية احادية التفكير ( من لا يفكر ويؤمن مثلي فهو ضدي). انها ذهنية لا ترى إلأ لون واحد ( يا سود .... يا بيض)! وترفض ان ترى بقية الالوان ..... لذا ترى ان التنافر والتناحر قد بسطا قبضتهما على

نسيجنا الاجتماعي وعلى مستويات عدة!
 
ألستُ على صواب ان قلت: ان مجتمعنا يمتاز بذهنية التخاصم؟ (من المؤكد ليس الجميع ، فانا ضد التعميم) ، فهناك من لا يعرفون معنى الحوار الصحيح والتحاور البناء الاخر المختلف ، بل رفضه والتهجم عليه ، وان ادعى البعض ان هُناك حوار على ارض الواقع ........ ففي معظم الاحيان تراه حوار الطرشان لتعلو فيه الاصوات لتطرق جدران الجيران!!

ثانيًا: يشهد لنا التاريخ بأن ارضنا قامت فيها دويلات ومماليك وحضارات وامبراطوريات وجمهوريات وووو ولكن كانت الواحدة تقوم على حساب الاخرى ...... وليس مكملة لها . وحتى في تاريخنا الحديث كان لنا ثورات وانتفاضات وانقلابات ....... وكلها كانت تدور في نفس المنوال! اي البُنيان على حساب الاخر المختلف الذي سبقني
وازالة كل اثاره وان كانت ذات فائدة ومصلحة للجميع ......... لانها تعود للشخص او للزمن الفلاني ...... وكأن كل نظام ياتي ليقول أنا الراعي الصالح وكل من جاء قبلي فهو

 لص وأجير ووووو

 

ثالثًا: قد يكون معظمنا لا يجيد الاصغاء ، وقد يبدو هذا جليًا في مناقشاتنا ...... ففي الغالب نقطع حديث محدثنا قبل اكماله الحديث او قبل انهاء توصيل فكرته ..... لنسترسل نحن بالكلام في محاولة لاقحام وفرض راينا واثابت صحته ........ .......... ولكن لنتساءل : هل من حوار بنا دون اصغاء  وهل من تقريب لوجها النظر من دون إصغاء وإنصات. من المؤكد لا.

 
وفي أمثالنا الشعبية ما يكشف ما بين السطور ذلك الخوف من الاخر المختلف ورفض التنوع بكل

أشكاله ( من يأخذ من غير ملته يموت بعلته)!!!!!!
وتنشئتنا وتربيتنا الاجتماعية والعائلية فيها ما يقتل التنوع والتعدد، إذ منذ طفولتنا يقولون لنا : لماذا لا تكون مثل صديقك عاقل؟ ولماذا لاتكوني مثل اختك شاطرة؟ ولماذا لاتكون مثل فلان وفلان ........؟ فاصبح الاخر المختلف منافس ، ومصدر قلق !

ثالثًا:  في مجتمعنا نرى الكثير من الاشخاص يريدون من يشبههم ، وعندما يرون العكس ، يرفضونك كمختلف في الحياة ن ويحاولون ارغامك على التماهي معهم لتكون نسخة طبق الاصل منهم ، وهم بذلك يريدون التننوع والخصوصية الذاتية فيك. وعندما يفشلون في ذلك تراهم يعادونك ويحاربونك ....... لان اختلافك بات موضع قلق لهم ...... وهنا كانت طامتنا الكبرى !! لان في ضل تلك العقلية وللاسف هي العقلية ذات الاغلبية الكبرى في مجتمعنا العراقي سيتحول الاختلاف إلى خلاف ونفور وتضارب وربما يقود إلى تناحر كما نرى اليوم ..... ليدع كل واحد بانه صاحب الحق ومالكه  والمختلف هو  ضال عنه!!

وليس من قبيل الانتقاص ان قلت الكثير من العراقيين لديهم استعداد فكري وتقبل نفسي بل وارضية خضبة لرفض كل ماهو مختلف ومتنوع ومتعدد ، ( أأنت عكس الاخرين ؟ كل الناس تعمل هشكل ، ليش انت وحد عنهم ). يريدونك مطابق لهم فيحاولون الاستحواذ عليك ، استحواذ يفوح منه رائحة

تصفية للمختلف واغتيال لتنوعه وفردانيته!!

وثمة قناعة راسخة في اعماقي اقولها بعد حصيلة خبرة خمس اعوام من تكرار السناريو :


لم ولن تضمد الجروح ويتعافى مجتمعنا من نزيفه

:
- مدام هناك رفض للتعددية والمختلف ، رفض لخصوصية الاخر وفردانيته!
-  مدام فينا من يرى في فردانية الاخر المتنوع ( الغريب- الدخيل – العدو- المُهدد ، الغنيمة –

المنافس-المُخالف)!  ومنه هنا سينشئ الصِدِام والتصادم!!


- مادام يوجد في مجتمعاتنا عبارات ( الاكثرية - الأقلية - طوائف - قوميات - أحزاب ......) !
- مدام واحدنا لا يزال يقرأ في هويته ( الديانة - اللقب - القومية )!
- مدام تحكمنا عقلية اللجم وقمع الافكار المختلفة ، وشطب كل رأي مختلف !
- مدام لدى الكثير منا ذهنية التخاصم والتنافر ؛ ذهنية لا تتطلع الا بأتجاه ومسار واحد ...... فالله تعالى خلقنا متنوعين ........... فلا تتعب نفسك في امور الخالق وازالتها!
- مدام لديك ذهنية التشدد والتعصب وضيق الافق وقصر النظر ........
- مدام الكثير منا لا يمتلكون ثقافة الحورا وقبول التنوع والتعددية ..........  بل يمتلكون ثقافة احتلال

الاخر واكتساحه ازاحة تنوعه وتميزه!

[color=maroon]
وربّ ساءل يتساءل: وما الحل؟!
  [/color]

-إن تهتم الدولة العراقية بالتبشير بثقافة قبول المختلف بين مواطنيها ، وعمل مناهج دراسية عن كيفية قبول الاخر في اختلافه رغم تنوعه وتعدده وفردانيته ..... ففي كل هذه تكمن خصوصيته الذاتية والتي تعد بحد ذاتها مصدر غنى وتكامل ... وان تطلق العنان لاشاعة روح الحوار مع المتنوع بذهنية بيضاء صافية لا بذهنية الافكار المسبقة او ذهنية تتصيد النقطة السوداء في اللوحة البيضاء.

- أن تسعى كل الفضائيات العراقية لتاسيس لثقافة الاصغاء بقد الحوار والاحتضان والاستيعاب والاحتواء والقبول والتقبل بين اطياف الشعب الواحد، من خلال برامج ومشاهد تلفزيونية ولقاءات مع شخصيات ثقافية تنشى جيل

يمتلك ثقافة التعدد والتنوع .

- إن يؤمن كل منّا ، أنه ليس مالك للحقيقة والحق وحده، وليذهب إلى الجحيم وبئس المصير كل من يخالفني. بل أن نؤمن أن الآخر المُختلف عني هو مالك ( جزء) منها ، ومعه وبواسطته سيكتمل

 استقرائي لبعض جوانب الحقيقة المُطلقة!
- إدخال مادة الفلسفة في المناهج لفلسفة تقودنا لتواضع فكري ، لانها تعلمنا أم كل شي في الحياة نسبي، وأن لكل منّا حقيقته ورؤيته ، وهذه الرؤية تعكس كيفية نظرته

الخاصة للأمور.
- الفلسفة تعلمنا ان نحترم الاخر في رأيه وتفكيره وقناعاته ، وان كان مختلفًا ولكنه لايملك الا جزءًا من الحقيقة وله الحق في ان يكون له رأيه الخاص والمختلف ، وهذا الاختلاف انطلاقًا من رؤيته للحقيقة وكيفية التعامل معها.
 
في وطننا العربي بشكل عام وفي بلدنا العراق على نحو خاص لا توجد لدينا اقسام للفسفة وان وجدت فهي نادرة ومهملة! لاننا لانحب ماهو فكري ، بل نحن اُناس عاطفيون! ولا نحب ان نتعب انفسنا بالتفكير . ربما تسمعون في واقع الحياة اناس يقولون:( مسكين تعبان من كثرة التفكير )!! وكأن التفكير والتفلسف قاتل للانسان.
   
صدقوني ان الفلسفة ضرورة حياة لانها تدخل انساننا في صميم واقع الحياة وتحثه على تكوين نهج فكري خاص به انطلاقًا من نظرته للامور، قابلاً باختلاف الناس عنه!
- أبطال لغة الهُتافات التي تعودنا عليها ورفع وازالة كل ما يمت إلى المحسوبية والوجهنيات بصلة، فالبلد والمجتمع لا يتقدم ابناءه بالهتافات والاقاويل ، بل من خلال خلق وعي حضاري معُاصر ويعيش ابناءه ممارسات ديمقراطية بحرية ،
 [color=maroon]

 

ختاما اقول: أملي بأن تتكاتف جهود الجميع في انتاج مستقبل جديد لمجتمعنا وليس الاستمرار والداوام على اجترار افكار ومفاهيم الماضي السحيق في التعامل مع الاخر المختلف ......... وياليتنا نتعلم من الانسان الاوربي كيف انه ينسى خلافاته الشخصية ام الاجتماعية ام السياسية كانت ليجلس مع خصمه في احدى الكازينوهات او المطاعم ليحتسيا القهوة أو يتناولا كأسًا مع وجبة طعام........ تاركين خلف ظهرهما كل شي ، لتسمع النكات وترى الابتسامات قد عطرت الجلسة براحة الفكاهة التصالح!

لذا لنسعى لتأسيس ثقافة القبول بالمختلف لنحيا بتنوع وندخل في رحاب التعددية ........ انذاك سنتعلم وسنلمس لمس اليد بأن الاختلاف لا يعني التصادم والخلاف، بل هو غناء وبناء وتكامل ....... والحديقة لا تبدو جميلة ومثمرة إلا بتنوع اشجارها وزهورها !!!!!


                                 
ولنا في المستقبل أمل![/color]   

 


الأب يوسف جزراوي