جزيرة أبن عُمر في تركيا ( جزيرة الشهادة والشهداء)

 

في البدء كلمة..........


لا يكتشف الإنسان، المبدعين والعظماء والأحداث الخالدة إلاّ من خلال التاريخ، فهو تراث، ومدرسة، وحضارة، وخبرة أجيال، بل أنه ذاكرة للأجيال ، التي تتعرف بواسطته على جذورها، ومنه تستقي العَبِر....

ولا أجمل من أن يتناول الإنسان تاريخ أصوله واهله، ليعرف جذروه، فيسعى للتجذر، فأنا من المؤمنين بأن التجذر عنصر جوهري في تكوين الإنسان، والتجذر وحده يسمح للمرء بالامتداد في أفق واسعة دون ضياع واستلاب واغتراب.

عكفت منذ فترة ليست بالقصيرة، بجمع مصادر عن الجزيرة العمرية،ففرغتُ من العمل، لكني كُنت أراه ناقص ،عرضتُ الموضوع على أُستاذنا الأب يوسف توما، فأمدني مشكورًا بمخطوط عن حوادث الجزيرة العمرية مُترجم إلى اللغة العربية•، عنوانه (هل سيموت هذا الشعب؟) كان قد كتبه شاهد عيان وهو الأب جوزيف نعيم ، فصدر الكتاب بأكثر من لغة ، عام 1920 بأسم ( هل ستُفنى هذه الأمة ؟).قرأت المخطوط اكثر من مرة فأستفدتُ منهُ كثيرًا، وبواسطته استجليتُ الحقيقة...... لكنّني لا زلتُ ارى عملي غير متكامل؛ لكن فضلت نشره سنة 2006 ، على امل اعادة نشره في صورة متكاملة وشاملة في المستقبل لكن العمل لم يُكتب له ليرَ النور ، ففضلت نشرهُ بصيغة مقال مطول في قناتنا الغراء ( قناة عشتار الفضائية) على امل نشره في المستقبل ان قيض لي الله.

وأنا اعد هذه الكلمة المقتضبة تصورّت الاعداد الكبيرة من الجزراويين الذي أُخرجوا قسرًا من ديارهم ، فسقط عدد كبير منهم في الطريق ، وبعضهم وصلَ إلى الموصل او المدن الاخرى ولا يزال يعيش في ظهرانينا.

والجزراويون اليوم موزعون بشكل عام في زاخو والاغلبية الكبرى هم من الكلدان، بينما يقطن جانب منهم في الموصل وهم من الكلدان أيضًا وينتمي البعض الاخر للكنيسة السريانية بشقيها الكاثوليكي والارثذوكسي وهم اقلية قليلة ، بينما يكثر تواجد الجزراويين في بغداد واكثرهم من الكلدان. وفي سورية وجدت عدد لابئس به من الجزراويين الذي تعود اصولهم إلى جزيرة ابن عمر.

وعندما يدور الكلام عن ابرشيتي العزيزة ( الجزيرة ) وعن أبرشيات أُخر كاماردين وآمد وسعرد، تنقلني الذاكرة مباشرة إلى تركيا، فتلمع فيها وتلوح صورتان مختلفتان كليًا، واحدة قاتمة والاخرى مشرقة.

الأولى :سوداوية دموية تذكرنا بمذابح الدولة العثمانية البائدة.

الثانية : صورة مُشرقة ، وإن غابت عنّا ، لكنّها لم ولن تعرف الغروب؛ صورة تُذكرنا بأبرشياتنا العريقة التي كان فيها اهم المراكز الثقافية وأهم المطرانيات .... فيتوافد إلى مُخيلتنا رجال عظام نموا وترعرعوا في تلك الأرض أو خدموها لسنوات، وهم أشهر من نار على علم، يعرفهم القاصي والداني ، فمن منّا يجهل جبرائيل دنبو مجدد الرهبانيّة الكلدانيّة في ديارنا، وروفائيل مازجي الذي بهمته ودعمه تأسسس معهد شمعون الصفا الكهنوتي في الموصل وأُفتتح سنة 1868 والمطران إيليا ملوس، الذي بصم بصمته في القضية الملبارية، والمطران الشهيد يعقوب اوراها خطاط الرهبانيّة الكلدانيّة، والباحث الشقلاوي الدؤوب ادّي شير الذي كان منكبًا على المخطوطات يُطالعها ويحقق مافيها ... ناهيك عن الكنائس الاثرية والاديار العريقة ، والمطرانيات القديمة  ….

ووفاء"ا مني، وأعتزازًا بمسقط رأس أجدادي، أحرص اليوم على نشر هذا العمل، ليتعرف القرّاء على شهود الأيمان الذين دفعوا حياتهم ثمنًا، لكيما يعلو أسم المسيح، فأسأل الله التوفيق....... وآملاً أن أكون قد ملأتُ الفراغ الموجود في مكتبتنا الكنسية.
متمنيــــا للقراّء الأعزاء قراءة ممتعـــة ، وللباحثين الأفاضل فائـــدة كبيرة.....
أُرحب بأي معلومات يمّدني بها القُرّاء الكرام، وسأكون شاكرًا بأسمي وباسم مُحبي التاريخ والتراث لكل من يرفدني ويزودني بمعلومات وشهادات مفيدة أو بصور قديمة ونادرة.

لمحــة من التـاريخ

ذَكر اكثر من باحث بأن لهذه الجزيرة أسماء عدة، تعود الى ما قبل الميلاد، فتارة نقرأها صفا وتارة أُخرى أسفيا، علاوة على التسمية المعهودة بـ جزيرة الصخرة... في تاريخنا الكنسي الشرقي عُرفت هذه الجزيرة بأبرشية بيت زبدى. وهي مدينة جميلة تقع في جنوب تركيا. ويطيب لي أن أُسميها: بجزيرة الشهداء نسبة إلى عدد الشهداء الذين سقطوا على أرضها فنالوا أكليل الشهادة فيها.

ويفيدنا الشمـّـاس نوري إيشوع بقوله عن هذه الأبرشية:"موقعها في وادي دجلــة على بعد 3كم جنوب مدينة الجزيــرة الحالية. وكان مركز الأبرشية في فنك، ويقال لها الجزيرة، على مسافة خمس ساعات منها. وفي بداية القرن الثالث، وجد أُسقف للأبرشية ، يتبع رئاسة كرسي نصيبين المطربوليطي" .... وفي سنة 410 نجد في مقاطعة بازبدى، مطرانتين متجاورتين. الاولى على الضفة الشرقية من دجلة في قردو، ومركزها فنك ، والثانية على الضفة الغربية في قردو ، ومركزها ثمانون. وهي في لحف جبل جودي. في منطقة بوتان اليوم.

وعنها نقرأ أيضًا في مُعجم البلـدان، ليــاقوت الحموي : " بلـــدة فــوق الموصل بينهما أيام ولها رستاق مخصب واسع الخيزران.... تحيط بها دجلــة إلا من نــاحية واحدة شبه الهلال" .
سنـــة 691م ، بنى المسلمون الجزيــــرة العمرية، على بعـــد 3 كـــم شرقي بازبدى. ويقــول الحمـــوي: بــأن " أول من عمرها هو الحسن بن خطاب التغلبي سنة 250هـ" .

رويــدًا رويــــدًا أخذت هذه المنطقة بالتوسع لتغــدو أهــم مدينة في المنطقة، أذ نستشف من كتب التاريخ، بأن المنطقة كانت مركزًا تجاريًا مُهمًا، وكانت حالة الجزيرين الأقتصادية جيدة لان مدينتهم ملتقى التبادل التجاري، زد على ذلك لأن نهر دجلــة يمــر فيها حاملاً الخيرات على أنواعها على متن (الكلاك) قــادمًا من الشمال متوجهة مع تيـــار المـــاء الى الموصل وتكـــريت ثم بغــــداد ، فأهــــل الجزيرة كانـــوا معروفين بنشاطهم في مختلف الميادين، وبالذات الإقتصادي.

وبسبب تربتها الخصبة ومياهها الغزيرة، كانت المدينة غنية بالمنتوجات الزراعية والحيوانية، ومنها كان يتم التبادل التجـــاري باتجــاه الموصل عِبرَ نهـــر دجلـــة.

كـــان أهــل المنطقة يتكلمون اللغـــة الكردية والعربية بلهجة خاصة بهــم، بينمـــا كــان المسيحيون يتكلمون السورث أيضًا إلى جانب اللغتين المذكورتين وبالذات في القرى، بحيث أمتازت هذه الجزيرة، بكثرة القرى وهي بحسب تفنجي ( الجزيرة ـ طاقيان ــ فيشخابور ــ حصد ــ تل قبين ــ هوز ومير ــ هربول ــ كير كيبدرو ــ نهروان ــ متصورية ــ إشي ــ باز ـ هلتون ـ آقول ـ ديسيون ـ مارشوريشو ـ شاخ) .

 نقرأ في مقال الأب يوسف توما، بأن منطقة الجزيرة كانت عاصمة لأمراء منطقة بوتان، وقد وقعت فيها حروب عدة ومآس آلت إلى تساقط ممالك وإمارات، كانت دولة مهاباد الكردية آخرها، وسكن هذه المنطقة عدد كبير من المسيحيين ، بل كانت أحيانًا مقرًا لثلاث اسقفيات: كلدانية وتسمى اسقفية الجزيرة، وسريان ارثوذكس ومقرها آزخ. ومنذ عام 1888م، كان فيها أسقفية للسريان الكاثوليك.

ويزيد صاحب المقال مستطردًا : لم ينقطع وجود المسيحيين فيها منذ القرن 6م وحتى 19م ، ممّا يمكن أن تعد هذه المنطقة كنزًا للقصص والروايات حول الأنبياء والآباء والقديسين والشهداء .
اهتم بهذه المنطقة الرحالة والسياح ( وليس السواح) لآثارها القريبة منها مثل جبل جودي الذي يدعى بالكردية ( جودي) وبالتركية ( جودي داغ) الذي يرتفع نحو 2100 م فوق سطح البحر ، ويقع هذا الجبل على بعد نحو 20 كم إلى الجنوب الشرقي من الجزيرة العمرية. يطل على سهل دجلة. كما كانت جزيرة ابن عمر محط انظار التجار الاوربيين بسبب نوعية خشب البلوط الذي كان يُكثر فيها ، فينقلونه إلى أوربا ومنه تصنَع افضل انواع البيانو.

ذكر الأب يوسف توما: .... ووجدنا في التقاليد السريانية والكردية ، ولدى اتباع الديانات الكتابية كافّة من يقول إن جبل جودي هو الجبل الذي رست عليه سفينة نوح إلى جانب من يقول إنه جبل أرارات الذي قرب يريفان الأرمنية ، والأرمن يعتمدون النص الكتابي ويقولون إن بقرب آرارات قبر لنوح في مدينة نا خيشسفان، لكن بالقرب من جبل جودي قيل إن فيه قبر لنوح ودير يحمل إسمه، سكنه رهبان من كنيسة المشرق لعدة قرون .وحسنًا لنا الاستشهاد بما اورده الخوري يوسف تفنكجي عن ابرشية الجزيرة في احصائيته عام 1913 فهي في رأيي الأهم لأنه وضعت قبل المذابح العثمانية: " .... يسكن في المنطقة إلى جانب الكلدان ، السريان والنساطرة والبروتستان بالاضافة إلى الاغلبية المسلمة . يتكلم المسيحيون فيها السورث والعربية ، فيها رسالة للآباء الدومنيكيين واخرى لراهبات التقدمة . مطرانها الحالي مار يعقوب اوراها".

كنيسة الكلدان في الجزيرة على إسم القديس كيوركيس ، ويعود بناؤها إلى القرن الخامس عشر.ومن اثارها ( الجزيرة ) قلعتها المُشيدة بالاحجار السوداء البركانية والبيضاء الصلبة .

قضى معظم المسيحيين من سكنة الجزيرة نحبهم في الحرب العالمية الاولى، إذ ضربت رؤوسهم بالسيوف ، فوقعوا ضحيت مذابح حيوانية .... فهُجروا من ارض اجدادهم قسرًا من قبل الرجل العجوز (الدولة العثمانية(

فسقط الكثير من الفارين منهم في الطريق امواتًا ، منهم من سقط جوعًا، ومنهم بسبب التعذيب، ومنهم من خرج عليه قطاع الطرق فقتلوهم بعد أن سُلبوا ونهبوا و الناجون منهم ( وهم أقلية )، قصد اكثريتهم شمال العراق والموصل ..وخلال الزمن نزحوا إلى بغداد.... وقسم قليل قصد حلب والجزيرة العليا ففروا بجلدهم من مذابح لم يعرف التاريخ مثيلاً لها.

وبعد مذابح 1915 انتقلت ادارة الجزيرة إلى ابرشية زاخو الكلدانية ، واستمرت حتى النصف الثاني من القرن العشرين ، ثم تبعت كنيسة السريان الأرثوذكس .شيئًا فشيئًا اخذ ينقرض وجود المسيحيين من الجزيرة ، أن لم يكن منقرضًا، فزالت ابرشيات عريقة في التاريخ والقدم في تركيا مثل إبرشية الجزيرة وماردين وسعرد وديار بكر التي هي الأُخرى هي اليوم بدورها باتت شبه فارغة من المسيحيين.

مذبحة الجزيرة والتخوم المجاورة لها

سبب المذبحة

كانت نيران الحرب العالمية الاولى قد اشتعلت وبشكل غريب. فكان المسيحيون بصورة عامة يتابعون تقدم الجيوش الروسية بكل اهتمام ويتقّصون أخبار المعارك باستمرار آملين أن تصل تلك الجيوش إلى مناطقهم وتُخلصهم من نير الحكم التركي الغاشم لأنّهم كانوا يفضلون الحكم الروسي على الحكم العثماني.

انتشرت بعض الدعايات متهمة الأرمن بالإعداد لمؤامرة ضد نظام الحكم العثماني التركي. كانت هذه الدعايات وأمثالها تنتشر بسرعة البرق حيث الأفواه تتناقلها، والأسماع تتناولها مع زيادة بعض الإضافات المثيرة والمضرة.

مذ ذاك أخذت ملامح وجوه الأتراك ونظراتهم إلى المسيحيين تتغير شيئًا فشيئًا حتى غدت تنذر بالوعيد والتهديد بالانتقام. بموازاة هذا التغيير بدأ المسيحيون يلحظون توزيع صور فوتوغرافية، غير حقيقية، توهم من يراها أنه يرى بعض الرجال باعتبار أنهم مسيحيون وهم يقتلون المسلمين بوحشية. بطبيعة الحال إن صورًا كهذه إضافة إلى الدعاية المغرضة كانت توغر صدور المسلمين البسطاء بالحقد والكراهية والبغضاء. ومما زاد الطين بلّة، هو تبنّي الشرطة نفسها مسؤولية توزيع صور كهذه أو على الأقل السماح بتوزيعها.

بعد ذلك أخذ الحال في التدهور وبسرعة حتى انتشرت إشاعات وادعاءات كاذبة ُتفيد أن السلطات الحاكمة تمكنت من كشف مخازن كثيرة (في بيوت بعض المسيحيين وكنائسهم) تحوي أسلحة مختلفة وبكميات كبيرة.

بربرية المذابح

كتب اللورد بريس مقدمة لكتاب الاب جوزيف نعيم الذي نُشِرَ سنة 1920 باللغة الانكليزية ما يلي:
"
لم يعرف تاريخ الشرق طوال حقباته أحداثًا دموية كتلك التي سُجّلت خلال المذابح المروعة وحملات الإبادة الجماعية التي ارتكبتها الحكومة التركية تجاه مسيحيّي الأنضول وأرمينيا عام 1915. إن آلام الأرمن هي التي جذبت انتباه بريطانيا وأمريكا بشكل رئيسي بسبب ضخامة أعدادها وهزت الهيئات الكنسية لما شملته تلك الأعمال البربرية من مناطق واسعة. إن خطط إبادة المسيحية لم تقتصر على الأرمن رغم أنهم كانوا الأكثر تأثرًا بل شملت أيضًا الأقليات المسيحية كالنّساطرة والكلدو آشوريين حيث كانوا هم أيضًا ضحايا المخطط الإجرامي الذي كان هدفه إفناء المسيحيين جذورًا وأغصانًا علمًا أن الأتراك لم يستطيعوا يومًا إثبات أي اتهام أو أعمال معادية لسلطانهم من قبل تلك الأقليات" .

ويزيد صاحبنا في مقدمته قائلاً : قبل بدء الحرب العالمية الأولى، كان عدد الكلدان والسريان والآثوريين والأرمن كبيرًا. وكانت مناطق سكناهم في قرى عديدة انتشرت هنا وهناك في ربوع تركيا و منطقة وان المتاخمة لبلاد فارس والقوقاز. سكن هؤلاء المسيحيون في تلك المناطق منذ قرون طويلة وأجيال عديدة. كانوا يتمتعون بنوع من الحرية والحكم الذاتي إذا ما قورنوا بإخوان لهم سكنوا السهول الفسيحة .

كانوا يعيشون تحت نظام إداري بدائي مجزأ يرأس كل جزء رجل يدعى بـ "الملك". كان مار شمعون يرأس كل هؤلاء الملوك ويقيم في مدينة صغيرة تدعى قوجانس.

كانت القرى المسيحية محاطة بقرى كثيرة يقطنها الأكراد المنتمين إلى عشائر عديدة متناحرة فيما بينها لكنّها جميعًا كانت متـّفـقة على معاداة المسيحية والمسيحيين وتنظر إليهم بكره وحقد منتظرة الفرصة المناسبة حيث كانوا فارضين أنفسهم على مجتمعهم بقوة السلاح مدافعين عن حقوقهم وحامين كيانهم القومي. جعل هذا النوع من الحياة الرجال يعيشون حالة طوارئ مستمرة الأمر الذي جعل منهم قومًا شجاعًا لا يحني الرأس أبدًا. كانت الحكومة التركية (العثمانية) تحاول من حين لآخر أن تخضعهم وتنزع سلاحهم غير أنّ جنودها كانوا يعودون فاشلين كلّ مرّة يحاولون ذلك تاركين وراءهم الكثير من القتلى والأسلحة التي يستولي عليها المسيحيون فيستخدمونها ضد القوات المهاجمة المعتدية.

عندما أُعلنت الحرب ظنّ أبناء الكنيسة الكلدانية والسريانية والآشورية والارمنية  القليلي الثـّقة بالدولة العثمانية أنّ ساعة الخلاص من الظلم التركي قد أزفت وأن وقت رحيله قد دنى فقرروا الوقوف إلى جانب الحلفاء ضد الأتراك.

 انتقامًا من موقف الكلدو آشوريين هذا قامت الحكومة العثمانية بإلقاء القبض على كل المنتمين إلى هذه القومية البعيدين عن ديارهم والساكنين في المدن المختلفة. من بين المعتقلين كان أخو مار شمعون الذي كان حينئذٍ في اسطنبول وأعدم بعد ذلك على يد السلطات العثمانية.

استطاع المسيحيون أنّ يُشاغلوا الجيش العثماني أشهُرًا عديدة ويُقاتلوه ببسالة وشجاعة بالرّغم من تفوقه عليهم عـُدة وعددًا.

كما قاتلوا العشائر الكردية التي سلحتّها الحكومة العثمانية ودفعت بها لمقاتلة المسيحيين، مشجّعة إياهم بوعود خلابة قطعتها لتحسين مستقبل الأكراد. كان الكلدان والأرمن والاثوريون حتى ربيع عام 1915 هم المسيطرين على الموقف والمنتصرون دومًا. قام بعد ذلك حيدر باشا والي الموصل بتشكيل جيش نظامي تعداده أربعون ألف جندي تدعمه القبائل الكردية. هاجم حيدر باشا المسيحيين مـرّة أخرى من جهة الشمال. دخل الفريقان في حرب ضروس ومعارك حامية دامت أشهرًا. ونظرًا لقلة عدد المقاتلين المسيحيين وبساطة تسليحهم مقارنة بالجيش العثماني النظامي تمكّن حيدر من تضييق الخناق ومحاصرة المقاتلين الكلدان و الأثوريين فقطع خطوط اتصالهم بالروس وجيشهم المتواجد في المناطق المتاخمة. كما أنّ الجيش الروسي لم يستطع إمداد القوات المسيحية في الوقت المناسب. فقلّت المؤونة شيئًا فشيئًا حتى نفدت تمامًا كذلك نفدت الذخيرة ولم يبقَ مجال لاستمرار القتال.

قرّر بعض الشجعان من الطلائع وبعد مداولات قصيرة محاولة كسر طوق الحصار وقيادة الجماهير المحاصرة إلى ما وراء الجيوش العثمانية وقبل أن تقتحم عصابات الأكراد المدعومة بالقوات النظامية القرى المسيحية.

كان العالم كلّه يشهد الفاجعة التي حلّت بالشعب المسيحي في تلك الربوع ولا يُحرك ساكنًا. هجم الأتراك والأكراد هجمة شرسة قطعت أوصال الشعب المسكين وفرقته شذرًا مذرًا، فضربوا الرقاب بالسيف وحرقوا المساكن ودور العبادة من كنائس ومزارات ودمروا الحقول والبساتين. وقع الهاربون العزل المختفين في مضايق الجبال أو المتحصنين في كهوف فريسة ضعيفة بأيدي الطغاة الذين لا يرحمون لأنّهم عصابات خارجة على القانون. لقد كانوا حقًا شعبًا سباه أعداء لا يعترفون بحقوق للإنسانية ولا للعدل من وجود لديهم.

ذُبحت أعداد غفيرة من الجماهير الهاربة في الطريق. استطاعت أعداد قليلة منهم فقط الوصول إلى خطوط القوات الروسية المتواجدة على الحدود التركية الفارسية بعد مرور بأهوال ومخاطر لا تُوصف. هكذا استطاع الناجون من الحصار المضروب اللحّاق بإخوانهم من مسيحيي سهول أورميا وسلامس وخووي.

شهادة الأب دان جيلمونييه

)حول المذابح التركية للمسيحيين وبضمنها مذابح الجزيرة العمرية).


"
كل الشعوب عانت المصائب الكبيرة والكثيرة جراء الحرب العالمية؛ قاست الآلام وعانت من نقص الغذاء والاحتياجات الحياتية بشكل أو بآخر، ولكن هناك شعب واحد فقط تأذى بكيانه ووجوده خلال سنين الحرب المدمرة ذلك، هو الشعب المسيحي الذي كان ساكنًا المناطق الشرقية من أراضى الدولة العثمانية (تركيا الحالية).

إنني لا أستطيع أن أصف تفاصيل مقتل أو إبادة كل مسيحي على حدة، كما أني لا أريد أن أدخل في تفاصيل انقساماتهم إلى طوائف وشيع لأن مسؤولية ذلك تقع على الجميع. كل ما أريد قوله باختصار هو الحديث عن الاضطهاد الذي تقاسم الجميع كأسه دون استثناء وشربوه حتى الثمالة. رغم أني في عجالة، لا بد لي أن أتحدث عن المستقبل الذي ينتظره المسيحيون دون تمييز.

قبل الحرب كان تعداد مسيحيي الشرق بضمنهم اليونانيين الأتراك يزيد على الثلاثة ملايين. أما اليوم وبعد مرور سنتين على الحرب، فإن عددهم أصبح لا يزيد على المليون أي أن النقص تجاوز المليونين بسبب المذابح الجماعية والإبادة التامة للسكان بضرب رقابهم بالسيف أو الموت الطبيعي على الطريق عندما كانوا يُنفون أو يُهجّرون نتيجة التعب والجهد أو انتشار الأوبئة. بالحقيقة أن هذه الجموع المظلومة سيقت وكأنها قطعان ماشية إلى المجزرة.

في البداية كانت جموعًا هائلة ولكن في النهاية لم يكن يبقَ منها سوى بعض الذين ساعدهم الحظ على النجاة. لقد هُجّروا ونفوا من مواطن سكناهم وارض أجدادهم على شكل قوافل متتابعة كبيرة العدد. انتشرت فيها الأمراض والأوبئة، ففتكت بجموع منتسبيها فتكًا وحصدتهم وخاصة عندما كانوا يسكنون بصورة مؤقتة في مجمعات انتظارا للمصير المجهول. أما الباقون منهم على قيد الحياة وبعد أن نجوا من المذابح، فأنهم لا زالوا مُهدّدين خلال فصل الشتاء القادم بالفناء إن لم تُمد إليهم يد المساعدة والعون.

إن المسيحيين الذين نجوا من الإبادة حتى اليوم هم فقط أولئك الذين يسكنون اسطنبول وحلب وبعض المدن الأخرى القليلة التي تُعد على أصابع اليد . أما أولئك الذين يسكنون القرى والمدن الصغيرة فكانوا الضحايا الأول التي احترقت بنار الاضطهاد لأنهم نفوا أو هُجّروا بعد اعتقال الرجال وخاصة الأثرياء وذوي الجاه أصحاب التأثير في مناطق سكناهم ومراكز تواجدهم. كان أولئك الرجال يؤخذون تحت حراسة الشرطة والجيش المشددة بحجة نقلهم إلى مكان آخر، في الطريق يُنظمون بمجاميع صغيرة تُصفى جسديًا بإعدامهم رميًا بالرصاص. بهذا الشكل انتهت أغلبية الرجال.

بالنسبة للقرى النائية فالطريقة كانت مغايرة حيث أن السلطات أوكلت أمر إبادة المسيحيين الساكنين في تلك القرى إلى الأكراد العتاة الذين لا يقلون شرًا إن لم نقل أنهم كانوا السبّاقين في استنباط الأساليب الجديدة لإفناء المسيحيين. غالبًا ما كانت تبدأ الصولة بنهب القرى وغزوها ثم خطف الشابات الحِسان والنساء الجميلات وأخذهن كسبايا، وكذلك الأطفال الجميلي الصورة والهيئة فيحتفظون بهم ثم يقومون بحرق البيوت فيضطر الباقون على الهرب. وفي الطرق تهجم جموع الأكراد على الفارّين بالسيوف البتارة فيسقطون مضرجين بدمائهم الزكية جثثًا هامدة وهكذا ينتهي أمرهم إلى الأبد.

بعد أن تمت عملية تصفية أغلبية الوجهاء المسيحيين، صدر أمر في اسطنبول بإيقاف الاضطهاد وأعمال الملاحقة لكل المسيحيين سريانًا كانوا أو يعاقبه أو كلدان. لكن هذا الأمر ومع شديد الأسف نُـفـذ بشكل مبتور حتى بالنسبة للمدن المهمة الكبرى. بالنسبة للقرى النائية فقد وصل الأمر متأخرًا أي بعد أن تمت الإبادة الجماعية لسكان أغلب تلك القرى وأصبحت بيوتهم خرائب وآثارًا ينعب فوقها البوم.
لا زال هناك حتى الآن قرى نائية عانت من المذابح والغزوات ولكن لا زال فيها بعض من الأرمن الذين لا يزيد عددهم على البضع مئات فقط، معظمهم من الأرامل والأيتام، وهذا نتيجة لقتل أو ضرب رقاب أكثر من مليون نسمة بالسيف. طائفة الكلدان وحدها خسرت ثلاثة من مطارنتها الشجعان وثلثي أبناء الطائفة. بالنسبة لكنيسة المشرق الآثورية (النساطرة)، فقد تجاوزت خسارتها المائة ألف نسمة من أبناء الطائفة وأغلب مطارنتها وأساقفتها. أما بالنسبة للسريان فقد فقدوا كل أثريائهم وذوي الجاه والمراكز المرموقة ذات التأثير الاجتماعي. والسريان الأرثذوكس (اليعاقبة) في ماردين فأغلبيتهم نجت من المذابح بفضل الرشاوى الضخمة التي قدموها للمسؤولين.

القرى التي سكانها يتبعون هذه الطائفة والقريبة من ماردين فقد كلفتهم المجازر ثمانون ألف نسمة ضربت أعناقهم جميعًا بالسيف على أيدي الأكراد بوحشية وهمجية.

تلخيصًا لكل ما ذُكر، نستطيع أن نؤكد أن رقم المليونين المُقدّر لعدد القتلى من المسيحيين صحيح وهذا فقط خلال السنتين الأخيرتين أي 1915 و1916 وجزء من العام 1917. ما يخص عدد القتلى خلال مسيرة قوافل الإبعاد والنفي فقد تجاوز الأربعين ألف.

علينا أن لا ننسى كذلك أن عددًا كبيرًا من النساء الجميلات والشابات الحسان اللواتي اختطفن وأخذن سبايا لا زال الأكراد والأتراك الذين اختطفوهن محتفظين بهن في أقسام الحريم من بيوتهم. كذلك يجب أن لا ننسى أن الجماهير المسيحية من أتباع الكنيسة البروتستانتية قاسوا هم أيضًا التعذيب والاضطهاد ولكن رغم ذلك هذه الكنيسة كانت السبّاقة في تأسيس المياتم لاستيعاب الصغار اليتامى الباقين على قيد الحياة بعد مقتل الآباء وسبي الأمهات.

لو أردنا تسجيل كل الوقائع الدموية التي حصلت على مدى الأيام والأشهر والسنوات التي طالتها الحرب لاحتجنا إلى آلاف الصفحات والعديد من المجلدات التي ستشكل حتمًا جزءًا مهمًا من تاريخ هذه الحرب الضروس. بعض من تلك الوقائع لم يسجل لها التاريخ مثيلاً من ž