الطاهر والعراق الجميل

حسن العاني

 

المكان هو ساحة الأندلس ولابد ان شخصا اخر غيري هو الذي يدخل مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، تلفتُّ يمنة ويسرة لاتأكد من صحة ما يحدث وتيقنت بأنني تحديدا هو الشخص الذي يصعد سلالم المبنى بخطى ثابتة

وكأنه شيوعي مخضرم يتوجه لحضور اجتماع قيادي مع ان بيني وبين الفكر الشيوعي مسيرة ألف عام، وتلفت ثانية وانا ارتجف خوفا كي اتأكد بان احدا من رجال الامن لا يرصد تحركاتي كما جرى العرف على مدى سبعين سنة من مطاردة الرفاق الذين وضعهم القدر على طريق الوجع الوطني.

هنا في المقر وعلى قاعة الشهيد سعدون كان اجتماع من نوع جديد - لا تخدشه التراكمات الكمية ولا فائض القيمة ولا البروليتاريا الرثة - يحاول بمزيد من الحنان والدفء ان يطبطب على جراح العراق الازلية عبر ارقى اللغات الانسانية (الفن) وكانت الفنانة سيدة جاوزت عقدها السادس لم يقعدها فصيل المتاعب بدءا من ذاكرة المعتقلات مرورا بسنوات الخوف الصدامي وانتهاء بالحاجة والبيت والعيال وضريبة العمر عن رسم العراق بالطريقة التي تتمنى وتريد وتحلم.

ليس من شأني تقديم (مفيدة سعيد الطاهر) والحديث عن معرضها الشخصي الأول حديثا نقديا، وليس من اختصاصي إعطاء درجة من اي رقم لتجربتها في استثمار أية قطعة قماش فائضة من اي نوع واي خيط وخرزة ونمنمة لتشتغل عليها وتحيلها الى لوحات أخذت من عينيها وانحناءة ظهرها وخيالها الفني سبع سنوات متواصلات فكل هذا شأن مرهون باحكام الفنانين والنقاد والأكاديميين.

في معرض مفيدة الطاهر كنت معنيا برؤيتها السياسية او على وجه الدقة (رؤيتها الوطنية) التي كانت الموضوع الرئيس والأول الذي طغى على المشهد العام وتسيّد القاعة برغم ثراء وتنوع الموضوعات فهناك ما يقرب او يزيد على مئة عمل (بشتى الحجوم والقياسات) يستلهم روح العراق على تباين بيئاته الجغرافية وتنوع عاداته ومعالمه، الاهوار والمشاحيف والجبال والشلالات والدبكات الكردية والصحراء والجمال ودجلة والفرات والشناشيل والتاريخ وبابل والبوابات الأثرية وبغداد والمقهى و.. وكانت اكثر اللوحات حضورا هي خارطة العراق المرسومة بالألوان جميعها، فهناك اختلاف في الدلالة والتعامل الفني وثبات على موقف لا يتغير.. النهران الخالدان والعراق الواحد، ومن هنا كان (الرمز) يعبر عن نفسه عبر الإطار العام للأعمال أكثر من اختبائه وراء هذه اللوحة او تلك.

 شكرا للطاهر وهي تدخل الطمأنينة الى قلوبنا على هذا الجميل الجميل عراق الاديان والقوميات والمحبة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة "الصباح" – ص الأخيرة

السبت 10 / 5 / 2008