|
خطوة واحدة أفضل من لا شيء
افتتاحية العدد الجديد من مجلة الأفق (العدد 29، نيسان ـ حزيران 2008)
عقدت أبرشية استراليا ونيوزيلاند للكنيسة الشرقية القديمة مجمعها الكنسي قبل فترة، وخرج المجمع بعدة مقررات في الشؤون الروحية والطقسية والإدارية، تم نشر بعضها ضمن خبر في بعض مواقع الإنترنت، وفي باب "أنباء" من هذا العدد، ص 58 ـ 59. ومن إطلاعنا على كامل مقررات المجمع رغبنا هنا أن نتوقف عند أحدها، وهو الوارد في النقطة "6" من المقررات، وينص على أن يكون الاحتفال بعيد القيامة المجيدة وباقي الأعياد والتذكارات حسب التقويم اليولياني القديم، بينما يكون الاحتفال بعيد الميلاد المجيد حسب التقويم الغريغوري الحديث.. أي في "25 ـ 12" من كل عام. وحيث أن ذلك ليس بالأمر الطاريء، وفي اللقاء الذي أجريناه مع قداسة أبينا مار أدى الثاني بطريرك الكنيسة الشرقية القديمة في العراق والعالم والمنشور ص 28 ـ 31 من هذا العدد، وفي ضوء إشارتنا إلى هذه النقطة أكد قداسته أن هذا الأمر لا يقتصر على أبرشية استراليا ونيوزيلاند، إنما هو قائم في عدد آخر من أبرشيات الكنيسة في بلدان أخرى. وفي معرض إجابة قداسته عن سؤالنا عما إذا كان، والمجمع السنهادوسي المقدس للكنيسة، يتبنى هذا الأمر كخطوة، ولو بسيطة، من خطوات وحدة الكنيسة، أجاب قداسته بإمكانية ذلك بعد دراسته في المجمع المقدس واتخاذ قرار قانوني بشأنه. إذن.. ومن خلال هذا المنبر، نعتبرها دعوة متجددة لرعاة الكنيسة الأجلاء في توحيد الاحتفال بالعيدين الرئيسين على الأقل، لا سيما في ظل الواقع الذي يعيشه شعبنا في العراق اليوم، والمعروفة تداعياته للجميع. لقد كانت وحدة الكنيسة، وما زالت، رغبة وأمل كل المؤمنين، وقبلهم الفادي المخلص يسوع المسيح له المجد: ".. حتى يكونوا واحدا مثلما أنا وأنت واحد.. يو 17 : 11". والمعروف أن الأعياد الربية في المسيحية سبعة "الميلاد، الدنح، التجلي، الصليب، القيامة، الصعود، البنطيقسطى"، وتحظى جميعها بنفس المكانة الروحية والطقسية، لكن.. وفي المتداول الشعبي والرسمي، يبرز عيدي الميلاد والقيامة كأبرز الأعياد في المسيحية، كما هو الحال مع عيد الفصح في اليهودية وعيدي الفطر والأضحى في الإسلام، وعيد الخليقة عند الصابئة المندائيين. والمعروف أيضا أن توقيت الاحتفال بعيد الميلاد المجيد إنما هو توقيت رمزي لا تاريخي، فلا أحد يعلم علم اليقين تاريخ ولادة المخلص. والنصوص الأربعة للإنجيل قدمت بعض المعطيات عن ظروف ميلاد السيد المسيح له المجد، لكنها لم تورد تفاصيل عن تاريخ ميلاده، ذلك لأن هذه النصوص وباقي أسفار العهد الجديد إنما كُتبت بعد عدة عقود من زمن الميلاد، وفي ضوء القيامة المجيدة التي كانت الأساس في الإيمان بالرسالة التي حملها الناصري. من هنا كانت الكنيسة تحتفل في القرون الأولى بالفصح والقيامة والصعود والبنطيقسطى إلى حين تبلور الاحتفال بالأعياد الربية الأخرى والذي جاء بشكل تدريجي. وبداية الاحتفال بعيد الميلاد كانت في نحو منتصف القرن الرابع في روما على عهد البابا يوليوس الأول حيث تم تغيير عيد "شمس البر" إلى عيد الميلاد. أما توقيت عيد القيامة فقد تم تحديده وفق حسابات تاريخية وهو يكون في أول أحد من سابوع القيامة بعد تحديد عيد الفصح اليهودي، حيث احتفل اليهود بالفصح يوم الخميس، واحتفل به يسوع وتلاميذه قبل أن يُلقى عليه القبض ويساق إلى المحاكمة ثم جمعة الآلام والصلب.. وسبت النور وأحد القيامة. وإذا علمنا أن الاحتفال، اليوم، بعيد القيامة حسب التقويم الحديث يسبق عيد الفصح اليهودي، بينما الاحتفال به حسب التقويم القديم يلي عيد الفصح لينسجم بالتالي مع السياق التاريخي. فما هو الضير أن تتفق كنائسنا المشرقية المقدسة على أن يكون الاحتفال بعيد الميلاد حسب التقويم الجديد، والاحتفال بعيد القيامة حسب التقويم القديم؟، وهو أمر معتمد أيضا في بعض الكنائس المشرقية في العراق ومنها الكنيسة السريانية الأرثوذكسية. وفي ضوء ما يمر به العراق اليوم من ظروف استثنائية غير طبيعية، وما يعكسه ذلك من تداعيات معروفة على عموم الشعب العراقي ومنه نحن المسيحيين الذين بات وجودنا.. قبل حقوقنا، في أرض الآباء عرضة لتقاطعات وتجاذبات عديدة، ما يوجب توحيد الصف. يُضاف إلى ذلك أن الجهات المختصة في السلطة التشريعية في العراق هي حاليا بصدد وضع وتحديد الأعياد الدينية الرسمية لمختلف المكونات الدينية في العراق بهدف تثبيتها وتحديد المشمول منها في قانون العطل الرسمية في البلد. ألا نصبح موضع تندر للآخرين من أخوتنا وجيراننا في الوطن إذا احتفلنا بعيد الميلاد في 25 كانون الثاني، ثم احتفلنا بالعيد نفسه مرة أخرى بعد 13 يوما؟. والأمر ذاته مع عيد القيامة مع إتساع الفارق الزمني بين الاحتفالين في نفس السنة الطقسية؟. التقويم من وضع البشر، والإيمان قائم على تعاليم الكتاب المقدس ومؤلفات آباء الكنيسة القائمة على هذه التعاليم، والظرف الحالي عسير والواقع في مفترق طرق، وخطوة واحدة على طريق الوحدة أفضل من تواصل الانقسام والتشتت. وتقديم بعض التنازلات البسيطة إنما هو، في مثل هكذا ظروف، موقف قوة لا موقف ضعف. فليتم السعي إلى تطوير هذا الاتجاه، واعتماد تاريخ موحد للاحتفال بالعيدين الرئيسين على الأقل، وسيكون أثر ذلك إعلاميا وشعبيا ورسميا إيجابي جدا، ولن يؤثر على الإيمان القويم في شيء، بل العكس.
شليمون داود أوراهم
|