فستان هيفاء وهبي والرئيس السوداني

 

 

من وحي أفلام الخيال السياسي :

 

أثارت حادثة تمزق فستان الفنانة العربية الشهيرة ( هيفاء وهبي ) , وهي تقدم إحدى حفلاتها في منطقة ( بنت جبيل ) في لبنان , قلقا كبيرا في الأوساط الرسمية العربية , حيث رأت , هذه الأوساط , في الحادث تحديا خطيرا ينبغي التوقف أمامه بإمعان لما قد يسبب في حالة تكراره من ( تداعيات و شروخ في مصير الأمة في حاضرها ومستقبلها ) .حتى أن أحدى الدول الخليجية النفطية ( التي قد اخذت على عاتقها منذ زمن بعيد مهمة رعاية الفنانات العرب ) قد هددت لبنان بأنها ستقوم بنفسها بدعوة الجامعة العربية الى الانعقاد في جلسة سرية , إذا رفض لبنان فعل ذلك , من تلقاء نفسه  بحجة ان الحادث كان عابرا . حيث كانت تلك الدولة الخليجية حازمة في القول في ان الفنانة ( هيفاء وهبي ) ليست لبنانية الجنسية فقط , بل هي عربية الجنسية وهي ( سفيرة الأمة و إحدى لوحاتها ) أمام الأمم الأخرى وفي العالم .

 

وهكذا جلس ممثلو الدول العربية في لقاء اتسم ببالغ السرية , بعيدا عن أضواء كاميرات الفضائيات والإعلام . ويقال والعهدة على الراوي , ان اللقاء كان من انجح اللقاءات العربية لما سادته من أجواء الحوار الساخن والبنًاء الذي بدت عليه أقصى درجات الحرص والرغبة المشتركة لإشباع الموضوع بالنقاش دون التقيد بالتوقيت والوقت من اجل الخروج بأفضل الحلول . حتى ان احد المندوبين قد طلب إحضار ( سي دي ) خاص بالحفل على ان يتم عرض مشهد تمزق الفستان بالتصوير البطيء , وضبط الصورة في اللحظة الحرجة , ليتسنى معرفة الملابسات التي أدت إلى الحادث . وكان مندوب احد الأنظمة الشمولية حادا جدا في المطالبة بتسليمه الخيًاط الذي قام بأعداد الفستان لإدخاله ( دورة تدريبية مكثفة ) في أحدى ( منشأته الوطنية ) . وقد أشاد المندوبون جميعا بالتصرف النابع من الحكمة والغيرة على ( مصلحة الأمة ) والذي اعتادت الفنانة ( هيفاء وهبي ) القيام به في كل برامجها الفنية , والمتمثل في حرصها على اقتناء فستان إضافي ثان , بنفس مواصفات الأول , تحوًطا لهذه الاحتمالات والمواقف , بل أن احد الحضور اقترح أن يقوم ( صندوق التنمية العربية ) بتغطية نفقات هذه الفساتين الإضافية كبادرة تشجيعية للفنانة المحبوبة ولكي تحتذي بها زميلاتها من الفنانات . وقد وقف الاجتماع طويلا أمام التصرف الشهم الذي قام به احد المواطنين في الحفل , والذي نزع (الجاكيت ) بسرعة البرق وغطى بها جسد الفنانة ( هيفاء وهبي ) حيث اعتبر الحضور جميعا هذا الموقف بمثابة ( حقنة بالحياة ) لمعاهدة الدفاع العربي المشترك التي كانت قد لفظت منذ زمن غير قريب أنفاسها الأخيرة , وذهب مندوب أخر إلى ضرورة تواجد دائم لمن يرتدي الزي العربي في الصفوف الأولى في قاعات الحفلات , كون ( العباءة ) هي السلاح الدفاعي الأمضى من ( الجاكيت) في مثل هذه المواقف . هذا وقد خلص المجتمعون إلى ضرورة تشكيل ( لجنة قوية ) تقوم بمتابعة الموضوع وتنفيذ القرارات بالتعاون مع الفنانة القديرة .  وقد بدت , وعلى عهدة الراوي أيضا , علامات السعادة والانشراح واضحة على وجه الامين العام للجامعة العربية , حيث لم يجد الوقت طويلا ليضع يده على خده , و يجلس مهموما ينتظر من يتطوًع ليكون في اللجنة , بل كان التسابق في أقصى حالاته , وخاصة من الدول صاحبة الثقل والقرار والنفوذ , للمشاركة في أعمال هذه اللجنة , وهكذا تشكًلت , كما يقال , أفضل لجنة تتشكل لحد الآن في الجامعة لمعالجة إحدى القضايا العربية . وخُتم الاجتماع بوصلة فنية هدية من الفنانة القديرة للمجتمعين , وخرج الجميع راضيا منتشيا بما جرى فيه وتمخض عنه .

 

ولكن هذه  البلدان المسكينة  كُتب عليها ان لا يستمر الفرح فيها طويلا , فقد اعتاد ت ان ترى بعض قادتها ينهون يومهم بحفلة سمر صاخبة لينهضوا في الصباح الذي يليه على مصيبة كبيرة ! , ففي اليوم التالي وبينما كان المندوبون يهمًون بحزم حقائبهم لمغادرة فنادقهم والعودة كلًُ إلى بلده , كان المندوب السوداني يتباحث مع السيد الامين العام للجامعة في أمكانية استغلال وجود المندوبين وتقديم دعوة رسمية باسم السودان لعقد اجتماع رسمي علني يناقش قضية مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق الرئيس السوداني ( عمر البشير ) متهمة إياه بجرائم الإبادة الجماعية في ( دارفور ) . دعا الامين العام المندوبين مرة أخرى وكان على اغلبهم يبدو التعب والملل , يتقدمون الى الاجتماع كما يقال بخطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الخلف . انقلبت أجواء الحوار الساخن التي سادت نفس القاعة في اليوم الماضي الى حوار رتيب , بل اكتفى بعض الأعضاء بالتعليق على الموضوع بعبارة ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) , وعاد ( المسكين الامين العام ) إلى وضع يده على خده عندما وصل الأمر إلى قرار تشكيل لجنة لمتابعة الموضوع , فالجميع مشغول ومتخم حتى الرأس بالمواضيع والملفات , وقبل الختام كان صوت المندوب الليبي مزمجرا في القاعة وهو يتقدم ( باقتراح اللحظة الأخيرة ) , في الطلب الى المحكمة الجنائية الدولية بإلغاء قرارها على ان تُصدر عوضا عنه قرار بتوقيف الفنانة ( هيفاء وهبي ) بتهمة جرائم أسر القلوب . عاد الانتعاش ليرتسم فجأة على وجوه أغلب الحضور , فقد اعتقدوا أنهم عائدون من جديد الى مناقشة موضوع الأمس , لكن الامين العام نطق بكلمة الشكر الأخيرة وتمنى لهم سلامة العودة إلى بلدانهم , وأما الرئيس السوداني فله ربًُ كريم رحيم . 

 

د . وديع بتي حنا

wadeebatti@hotmail.com