|
هل نعيش في عصر شعاره (الغاية تبرر الوسيلة!)
بقلم يوحنا بيداويد
في هذا الزمن الصعب المحشو من كثرة الرغبات والطموحات الشرعية وغير الشرعية، هذا الزمن المستعجل بوسائل الاتصالات السريعة التي ملئت العالم من المعلومات الرديئة المتخبطة بحيث لا يستطيع العقل غربلتها وتفسير محتواها المتناقض بسهولة ، هذا الزمن المثقل من المشاكل والهموم وطموحات االفردية والتي خلقت بيئة متصارعة متناقضة مع بعضها، اعادت على ذاكرتنا قصة احتيال الكذب على الصدق (1).
في القرن الخامس عشر كتب نيكول ميكافيلي (1467-1527 م) كتابه المشهور (الامير) واهداه الى الامير الايطالي لورنز في عصر النهضة الاوربية. في هذا الكتاب يعطي ميكافيلي الدروس لهذا الامير المسكين كيف يستطيع ادارة شؤون مقاطعته بطرقة مكرة دون اعطاء اي اهمية للقيم الدينية والانسانية والاخلاق الاجتماعية والقوانين الطبيعية. فرفع شعاره المشهور (ان الغاية تبررالوسيلة). فاصبحت هذه القاعدة الذهبية لكل الطغاة فيما بعد. منذ ذلك اليوم اصبحت شهرة الكاتب والكتاب واسعة على الرغم من حرمانه لفترة طويلة في اوربا. ويخبرنا معظم المؤرخين ان معظم الشخصيات الدكتاتورية التي جاءت في التاريخ قرات واستخدمت تعاليمه ضد شعوبهم امثال موسليني (كانت اطروحته في الدكتوراه عن الميكافيلية) وهتلر وستالين وصدام.
لكن بعد خمسة قرون فرخت الميكافيلية فلسفة البراغماتية الامريكية التي اعادت سبك الفكرة نفسها بطرق قانونية و اساليب حديثة.(2).
كل انسان في هذا الحياة لا بد ان يلاقي بعض من الصعوبات، والتجارب التي لا يرغبها. ربما تكون هذه الصعوبات هي الصليب الذي يطلبه الله منه ان يحمله ، او مهمة او التضحية التي يجب ان يقوم بها في حياته. نعم حياة جميلة، لكنه بدون عطاء اناء فارغ. وان الوصول الى القيم الانسانية وتطبيقها هي الغاية المثلى والثمار او الطموح الاهم لكل شخص متشبع بها كي نعطي لحياتنا معنى و نترك لها اثرا، كي نصبح احد الاحجار المهمة في بناء الذي يكون هيكل للقيم الانسانية في التاريخ.
قد تأتي الرياح بما لا تشتهيها السفن كما يقول المتنبي، لكن الانسان المتسامي في القيم الانسانية والمسيحية لا يؤمن ابدا ( بان الغاية تبرر الوسيلة)، بل هي خطئية كبيرة ومميتة اذا ما رجعنا رسائل البابا بندكتس السادس عشر الاخيرة (3).
والاهم من كل هذا مسيحيتنا تطالبنا بأن نكون نعطي اكثر من قيم الانسانية نفسها، فكيف نقبل ان يكون مبدء ( الغاية تبرر الوسيلة ) هو الطريق في حل معضلات التي نواجها في حياتنا؟ صحيح ان الانسان حينما يولد يكون كومة من الرغبات الذاتية الفردية لكن بمرور الزمن يُطلب منه ان يصبح نبيا ومصلحا في ومبشرا بالقيم الموضوعية والانسانية في بيئته. ........................................................................ 1- يقال في قديم الزمان، حينما كان الناس على بساطتهم القروية، ولم تكن هناك وسائل لكشف الخداع متوفرة. قرر كل من الصدق والكذب الذهاب الى البحر للسباحة. فوضعا ملابسهما جنبا الى جنب، ونزلا في البحر الواسع ليستمتعا بالسباحة. وفيما كان الصدق مؤتمنا على صديقه الماكر على غير عادته، كان الكذب يراقب صديقه ( الصدق) كي يجد فرصة ليختفي عن انظاره. وحينما سنحت له الفرصة ، رجع الى الشاطئ ولبس ملابس الصدق واختفى بين الناس.
لما اكتفى الصدق من سباحته، حاول البحث عن صديق (الكذب ) فلم يراه رجع الى الشاطئ لم يرى هناك سوى ملابس الكذب. فأضطر الى ان يرتديها مسرعا بالبحث عن الكذب بين الناس . ومنذ ذلك اليوم اصبح الناس لا يميزون بين الكذب والصدق.
2- يقول (ساندرس بيرز') مؤسس المذهب البراغماتي (اواخر القرن التاسع عشر) ان جدوى اي مشروع وفكرة تتحدد في نتائجها.
3 - المصدر مقدمة مجلة الفكر المسيحي الاخير.
يوحنا بيداويد مالبورن / استراليا 20/7/2008
|