الطموح

 

 

يوسف يلدا                                                                                                     

  

كان النسيم الناعم والهواء العليل يهب رقيقاً في وقت غروب الشمس في أيام الصيف القائضة. وكثيراً ما كان يتأمل حركة المارة على الرصيف الممتد طويلاً من  شارع أبي نؤاس، كلما إنتهى من التدريبات والدروس التي كان يلقيها عليه المخرج علي الهيتي، صدبق وزميل شقيقه الأكبر أيام الدراسة. وأما هو فلم يكن قد تخطى السادسة عشرة من عمره، عندما تفتق ذهن شقيقه سالم عن فكرة طرح موضوع حلمه القديم في أن يصبح ممثلاً على صديقه المخرج علي الهيتي، الخريج الحاصل على شهادة عالية في المسرح والتمثيل من جامعة أجنبية مرموقة. وكم فرح حينها بالفكرة االجميلة تلك، وإعتبرها أحلى هدية يقدمها شقيقه له بمناسبة حصوله على شهادة المرحلة المتوسطة وبتفوق. حب التمثيل والرغبة الجامحة في أن يكون ممثلاً كانت قد ولدت مع ولادته ومجيئه إلى هذه الدنيا. هكذا كان يرد على كل من يسأله عن هوايته ورغبته الكبيرة وحبه العميق لكل ما يتعلق بالتمثيل من مسرح وتلفزيون وسينما. وفي كثير من الأحيان حاول أن يتذكر، من دون جدوى، اللحظة أو الساعة أو اليوم الذي داخله إحساس هذا الحب، الأمر الذي جعله يفكر، فعلاً، أنه ولد منذ أول يوم فتح عينيه على العالم. ولكن من الذكريات التي ما زالت عالقة في رأسه، ذكرى الأيام التي كان يرتاد فيها السبنما برفقة شقيقه سالم، وهوما يزال في السادسة من عمره. كانت الأفلام الهندية هي التي تستحوذ  على تفكيره آنذاك وتجذبه الى السينما أكثر من غيرها، وإن كانت أفلام هرقل وماشيستي هي الأخرى تستهويه أيضاً.

بعد أن أنهى الدراسة المتوسطة توقدت نار الرغبة فيه للإنخراط في مجال المسرح عبر المعهد الرسمي الوحيد، والذي كان يدفع العديد من طلابه المتخرجين لبدء مشوارهم الفني في مجال التمثيل. وعندما أخبره شقيقه بفكرة التدريب على التمثيل في الهواء الطلق، وفي حدائق ومتنزهات أبو نؤاس، بالذات، راقت له الفكرة ورقص في قلبه فرحاً، وإستعد لها.

من بين الكتب التي كان يطالعها في تلك الأيام وما قبلها بكثير، قصص وروايات لأسماء محلية وعالمية معروفة.  ورغم قراءته لمجموعة لا بأس بها من أشعار وقصائد محمود درويش، إلاّ أنه لم يكن قد وقع بيده ذلك الديوان الشعري  والملحق، كهدية، بمجلة الهلال المصرية. ولا زالت عالقة في ذهنه، حتى هذه اللحظة قصيدة تضمنها الديوان تحمل عنوان (ريتا والبندقية)، وستبقى محفورة في ذاكرته  كأجمل صورة معبرة عن تلك الأيام الجميلة وما حملته معها من أحلام وطموحات كبيرة. كانت تلك القصيدة هي التي وقع إختيار علي الهيتي عليها للبدء في حفظها والتدريب على طريقة إلقائها تمثيلاً. وعندما شرع في تلقي دروس الإلقاءالإلقاء والحركات المسرحية، وفي الإلتزام الصارم بمواعيد اللقاءات في وقت الغروب على أبي نؤاس، لم يكن العالم يسع، حينها، لسعادته العميقة. وكان يتمنى أن تعجل الأيام من سيرها، وتنتهي اشهر العطلة الصيفية الثلاثة، و ليقدم طلبه الى المعهد، ويبدأ دراسته في ما كان يتمناه طوال سنوات عدة مضت. لم يكن أمر التدريبات سهلاً، كما كان يتصورها في بادئ الأمر، وخاصة بعد أن بدأ علي الهيتي يطلب منه أن يحفظ ويتدرب على تمثيل الكثير من صفحات مسرحية ألمر رايس ( الآلة الحاسبة)، كما يتذكر الآن، مما دفعه للمضي قدماً فيما هو عليه، وإظهار جدية واضحة، يسهل على أستاذه تلمسها، الأمر الذي سيسعده ويحمله على التشبث به، لأن ثمرة جهوده التي كان يبذلها في التدريب كانت قد أينعت وبدأت تظهر الى الوجود ، تلك الجهود التي كان يقدمها من دون مقابل.

مع مرور الأيام، وعلى وجه التحديد، في منتصف الشهر الثاني، كانت صورة التمثيل قد تبلورت عنده، وكان يحس بقوة صوته وإندفاعه اللامحدود للوقوف في حدائق شارع أبو نؤاس ، مؤدياً الدور الذي كان علي الهيتي قد رسمه له وإقتبسه عن مسرحية ألمر رايس. ولم يكن ينتابه الخجل، كما كان الأمر في البداية، لا بل كان يشعر بفرح عميق يخالجه كلما إزداد عدد المتفرجين عليه من المارة، ومن زملاء وأصدقاء المخرج وشقيقه سالم. كان يرى في تلك اللحظات ، إقتراباً، شيئاً فشيئاً، من ما كان يطمح إليه مذ كان صغيراً، طموحه في أن يكون ممثلاً.

كانت تلك التدريبات على وشك أن تصل الى النهاية، عندما سأله المخرج علي الهيتي عن أوراق التقديم، وإكمال كل النواقص، إن كانت هناك وثائق أو أوراق أخرى تتطلب إجراءات رسمية، من تواقيع وتصديق وما إلى ذك. فقد كان بادياً على الأستاذ حرصه الشديد على تلميذه، ربما لأعتقاده بأن ليس من أمريقف حائلاً أمامهو يمنعه من قبوله في المعه فيما يتعلق بقدرته على الأداء التمثيلي والرغبة الصادقة للحب الذي يكنه للمسرح، إلى جانب تسلح تلميذه بثقافة مسرحية تؤهله للرد على كل ما يتعلق بهذا العالم الساحر، عالم التمثيل.

قبل أيام على موعد المقابلة كان قد تهيأ كلياً ،ونفسياً، لذلك، من حيث تقديم أوراقه كاملة من دون نواقص، الأمر الذي أدخل في نفسه الطمأنينة وراحة البال التي يكون المرء بأمس الحاجة إليها في مثل هذه المناسبات، والتي لا تصادف الإنسان إلاّ مرة واحدة في حياته. وأما بالنسبة لما يتعلق بمجال الثقافة العامة والتمثيل والمسرح، فكل الأمور مرسومة ومخطط لها بالشكل المطلوب، وليس على أصحاب الشأن سوى طرح ما في جعبتهم من الأسئلة عليه وإنتظار الأجوبة الصحيحة والوافية منه.

كان بينه وبين موعد المقابلة ساعات قليلة فقط، رغم ذلك، لم يبد عليه الإرتباك أو التوتر النفسي، وإن كان يتذكر قول بونابرت بأنه في الإمتحان يكرم المرء أو يهان. لم يكن يفكر سوى بالجزء الأول من كلام بونابرت، لأنه كان متيقناً من أن الأساتذة الذين سيجرون مقابلة الإختبار معه سوف يكرمونه لأسباب عدة.  وأول هذه الأسباب وأهمها حبه الكبير للمسرح، وثقافته الواسعة، رعم صغر سنه، بشهادة الجميع. إلى جانب إستعداده الكامل على مدى  ثلاثة أشهر مضت، وتدريبه الجيد في التمثيل، وعلى يد واحد من أبرز المخرجين المعروفبن في الوسط الفني. إذن ما الذي سيقف حائلاً أمام  الذين سيجرون له الإختبار ويمنعهم من قبوله طالباً في المعهد؟!

عندما حانت الساعة ودخل الصالة التي كان يتم فيها إجراء المقابلة، أحس بشعور غريب يداخله، وعندما حاول البحث عن مصدره، أدرك أن وجوه وأشكال الذين جلسوا يتمتمون فيما بينهم، ويتهيأون لأجراء الإختبار له، لا تفوح منها رائحة الطمأنينة التي كانت قد إجتاحته قبل ولوجه تلك الصالة. لم تمر إلاّ دقائق حتى رأى نفسه واقفاً خارج صالة الإمتحان. وعندما حاول أن يستعيد تفاصيل ما دار بينه وبين وجوه الذين إختبروه، تلك الوجوه الغريبة عن عالم المسرح والتمثيل والثقافة، وكل ما له بصلة بالإنسانية، فشل في ذلك، ولم يعد يتذكر شيئاً.

كان عليه أن ينتظر عدة أيام لمعرفة نتيجة ذلك الإمتحان الذي تمنى، بعد خروجه من تلك الصالة، لو لم  يكن قد أقدم عليه. فمنذ يوم الإمتحان وحتى ساعات وأيام الإنتظار اللاحقة، لم يزره النوم ولا ليلة واحدة ، كما لو أن كابوساً قد جثم على صدره يمنعه من غلق عينيه أثناء الليل.

صباح ذلك اليوم كانت نتائج الإمتحان ستظهر، تنشر الأسماء المقبولة وغير المقبولة في لوحة الإعلانات، كما هو معمول به كل عام. كان عدد الطلاب الذين جاؤا لمعرفة مصيرهم ومستقبلهم هائلاً، وقد استنتج ذلك من الحشود البشرية الرافعة أعناقها عالياً، في محاولة منها لقراءة الأسماء السعيدة الحظ. وأما هو، فبعد جهد جهيد، رأى نفسه قريباً جداً من لوحة الإعلانات المعلقة عليها قوائم الأسماء. وبعد قراءة خاطفة للقوائم، لم ير إسمه موجوداً في قائمة الطلبة المقبولين. فكر قليلاً، في محاولة منه لإقناع نفسه، أنه، لربما، يكون قد أسرع في إلقاء النظر على القوائم. وعندما عاد للمرة الثانية الى الأسماء المنشورة ولم يجد إسمه مع المقبولين، أعاد الكرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى شلّه التعب، ولكن دون جدوى. أي، بمعنى آخر، لقد تم رفضه ، ولن يكون بمقدوره تحقيق طموحه الكبير الذي رافقه منذ الطفولة، لا بل منذ الولادة.

عاد الى البيت حزيناً، كئيباً، غارقاً في بحر من الأسئلة، محاولاً الرجوع إلىكل ما جرى خلال المقابلة، غير أن جهوده ،مرة أخرى، باءت بالفشل، حينها، لم يعد قادراً على تحمل الصدمة. و كان أن قرر العودة إلى المعهد والتقصي عن سبب رفضه  وعدم قبوله. ولما جاءه الجواب سريعاً، كان بركاناً من الغضب على الدنيا وما فيها،  قد إنفجر في داخله، حيث أنه، ومن المؤكد، لم يكن يقوى على الرد علناً. لم يكن قادراً على رفع صوته عالياً بوجه من رفضوه ، لأنه لم يكن منتمياً.

 

 

18 يوليو 2008

ibrahimyousif@hotmail.com