

هاييتي، الزلزال، أنـا
أينَ انا؟
ما هذا الظلام المُخيف الذي يَلُفُّ المكان؟
رائحةُ التُراب والكونكريت المهدّم فوقي
لا اعرفُ اين موضع رأسي
أكادُ اختنق إلاّ مِن نسماتِ هواءٍ بسيطة
أرى ضوءاً ضبابياً ومع هذا لا أُميّز الأشياء من حولي
***********************
لماذا لا أستطيع حِراكاً إلا من حركة اصابعي
وشَفَتيّ مَكسيّةٌ بالتُراب
وعينيَّ افتحُها بصُعوبة
وجَسدي في المكان مَركونٌ لا يَهتَز ولا يتحرك
أُحاول رَفْعَ رأسي فيرتطم بشيء صَلِبْ حيثما ألتَفِتْ
اصرُخُ باعلى صوتي ولا مِن مُجيب
لماذا أنا في هذا المكان وفي هذه الحالة؟
**********************
صباحاً تناولت طعام الفَطور على مائدةٍ وافِرة الأنواع
قَبّلتُ زوجتي وأولادي حيث سافروا الى الجانب الآخر من الجزيرة
وأمَلي بان يعودوا مُستقبِلاً اياهم بالأحضان
كنتُ اسير في الشارع بِحريّة الإنسان المتنعّم المختال
مارستُ عملي ككل يوم والضحكات تصاعدت من حناجر زملائي
في طريق عودتي اشتريت مواداً اعيش منها لأيام واسابيع قادمة
اشتريت هديةً لأبنة اخي حيث تحتفل بعيد ميلادها في الأسبوع القادم
مَرَرت على والدتي لأراها مشغولة في صنع سلّةٍ من القصب
قبّلتها ومشيتْ
*******************
لقد تذكّرتُ ان الجدران تشققت
والأرض إهتزّت
والثُريّا المعلَّقة في السقَفِ صارت تهتزّ بشدّة
صورُ ذكرياتي على الحائط وقَعتْ وتكسّرتْ
الزجاجُ تناثر
وعندما حاولتُ النهوضَ جَرَفَني سقَفُ البيت الى الأسفل
لقد كان صوتاً مُرَوِّعاً برغم انه استمر لثوانٍ
إلا انه كان كافياً ليجعلني في هذه الظلمة
وليفصِلُني عن العالم الأعلى الذي كنت فيه قبل ساعات
*******************
آه كم انا اتألم
لاأعرف مقدار الزمن الذي مرَّ عليّ وانا على هذه الحال
لكن الظلام مازال كما هو
إلاّ ان الضوء صار أقَلُّ ضبابية لكنه خافت
اسمع اصواتاً غير مفهومة في الخارج
اصرخ بِعلوِ صوتي إلاّ انّ لا احد يسمع
أُحِسُّ بشفتي تَيبس فأُبَلِّلُها بماءٍ ضعيفٍ من انبوب قريبٍ مني يكاد
ينضُب
اتلَمَّسُ حولي لأجد طعاماً آكل فلا يوجد
********************
هل سأموت على هذه الحال
بطيئاً متألماً
وحيداً
حتى انني لم اترك رسالة او وصية
لديّ الكثير من العُمْرِ لأعمل واتمتع بالحياة
لدي امنيات وطموحات لتحقيقها
فقد كنت آمل ان ابني بيتاً جديداً لعائلتي
واغيّر أثاث بيتي
أن اسافر مع عائلتي الى ما بعد البحار في عطلة المدارس القادمة
و..و..و..
وهل هذه ستكون نهايتي؟
ان اموت ببطءٍ وألمٍ
وحيداً
******************
مرّت ايامٌ لا اعرف عددها
وجسدي يهون
اسمع من بعيد اصوات البلدوزرات والمَعاوِل
اسمَعُ انهم وجدوا جاري حيّاً من بين الأنقاض
فاصرُخ بما بقي من قوة في صوتي: أنا هنا ألا تسمعون!
احفروا الى الجانب الآخر!
******************
ستكون معجزة لو وجدوني وقمت " من بين الأموات الأحياء"
سأرضى باي لقمة تعطوني اياها
سأقبل باي نوع من الماء لأسقي به عطش شفتي المتيبسة المتشققة
سألبَسُ ايَّ ملابسٍ ما دامت نظيفة
سأكره التراب والغبار وسأنظف كل ما هو امامي "ونفسي"
سأرضى بمكان معيشتي مادام يَجمَعُني بعائلتي
سأنامُ في بيتٍ بسيطٍ حتى لو لم يكن فيه جدران عظيمة
ساكتب وصيتي وستكون لعائلتي ولمن يسمع من الناس
ساكتب واقول:
عشت ورضيت بعيشتي على بساطتها وقِلّتها
كنت سعيداً
ما دُمتُ فوق التراب.
ســنان شــوكت بَــوّا
24 كانون الثاني 2010
أوكلند/ نيوزيلندا
senanzaia@yahoo.com