

الأب يوحنا عيسى
المصلوبون موجودون في كل زمان ومكان، فلقد وجدوا في الزمن الغابر..
كما انهم موجودون في زماننا هذا. ومن بين هؤلاء، هذا المصلوب أمامكم الذي يدعى
اسمه يسوع الناصري.
ولكن قبل أن نتناول بالحديث هذا المصلوب، علينا أن نعرّف المصلوب من
هو؟
من هو المصلوب؟
إن المصلوب هو كل مضطهد، كل مطارد، كل معذب، كل متألم، كل مرفوض
ومرذول. كل مهجر، كل مغرب، كل مشرد وكل مظلوم ومقهور. وأخيراً المصلوب هو كل منفذ
فيه حكم الموت أو حكم الإعدام خنقاً أو شنقاً أو رمياً أو رجماً.
المصلوبون أمس واليوم وغداً.
فلكم أن تتصوروا الكم الهائل من المصلوبين أمس واليوم وغداً.
إنهم يصلبون لأنهم يطالبون بحقهم في الحرية والعدالة والمساواة
والحياة مثل سائر بني البشر. إنهم يصلبون لأن رؤيتهم تختلف عن رؤية الآخرين حول
الحياة والأشياء. إنهم يصلبون لأنهم يعارضون الحكام الطغاة والسلطات المستبدة التي
تحيا من ضحاياها كما تحيا الحيوانات من حيوانات أخرى بافتراسها. ويا له من شبه!.
إنهم يصلبون لأنهم يجاهرون علناً بمبدأ آخر، بقضية أخرى، بإيمان آخر،
إذ لا يهابون ولا يخشون أحداً، وهم أشداء وأقوياء في قوة الحق الذي يحملونه،
فيلاقون قدرهم ومصيرهم المحتوم المنتظر بجرأة وشجاعة وصبر وأناة.
أما الصالبون فهم أنفسهم،في كل عصر ومصر، جلادو إخوتهم البشر الذين
يصبحون ضحاياهم، أولئك الذين لا يحملون قطرة ذرة من الإنسانية في قلبهم مستخدمين
العنف، وهو سلاح الضعفاء والعاجزين. فهم بلا رحمة ولا شفقة.
وهم يصلبون إخوتهم لأنهم لا يقيمون وزناً لهم ولأرائهم وأفكارهم
وطروحاتهم. إنهم يصلبون إخوتهم لأنهم يضيقون ذرعاً بمطالبتهم لهم ولإخوتهم البشر
بالحرية والمساواة والعدل. إنهم يصلبون إخوتهم لأنهم يرفضون التعدد والتنوع والاختلاف
إذ يريدون لوناً واحداُ وحاكماً واحداً أوحداً متسلطاً ومستبداً يفرض نفسه بالقوة
ويقصي أعداءه وخصومه بالأسلوب ذاته. إنهم يصلبون إخوتهم لئلا تتعرض مصالحهم كالسلطة
والمال، إلى الخطر والتهديد والزوال. وهكذا تبقى مصالحهم مؤمنة.
وأخيراً يصلبون إخوتهم البشر لأنهم كفرة مصيرهم نار جهنم معتقدين
بأنهم على حق دوماً. وأما الآخرون فهم على باطل يجب إقصاؤهم وإبعادهم وتصفيتهم حتى
ولو كان ذلك بالقوة.
يسوع المسيح المصلوب.
وكما حدث ويحدث اليوم للبشر، هكذا حدث ليسوع المسيح. فلقد جاءنا من
الله أبيه رسولاً مبشراً بحلول السماء على الأرض، سماء الحب والسلام والوحدة والوفاق،
بعيداً عن النزاع والخصام والانقسام، داعياً الناس، كل الناس، إلى الدخول في هذه
السماء وعيشها، عبر الإيمان والتوبة والولادة الجديدة.
وللتدليل على صحة شخصه ورسالته، عمل الخير للناس، كل الناس، ولاسيما
الخطاة والمرضى وبعض الموتى، إذ منحهم الغفران والشفاء والقيامة كما منحهم كلمة
الله.
ولكنه ما أن دخل إلى هذا العالم، فإذا بملك ذلك الزمان يضطهده بمحاولة
قتله ولن ينجو منه إلا بهروبه إلى مصر. كما اضطهده ورفضه آخرون كالرؤساء والكتبة
والفريسيين الذين نعتوه بالمجنون والمضلل والسامري وبمثير الشغب والمتمرد.
كل هذا فعلوا به حسداً وغيرة وخوفاً من نجاح رسالته ومن أجل تأمين
مصالحهم الشخصية.
وبسبب هذا الاضطهاد وهذا الرفض الذي لاقاه، لمواقفه وتصرفاته من
الرؤساء والكتبة والفريسيين من جهة، ومن الخطأة والفقراء والمساكين من جهة أخرى،
شعر بدنو وقرب أجله، الأمر الذي أنبأ به أكثر من مرة. ولكنه ظل أميناً، ثابتاً،
صامداً وراسخاً كالطود الأشم، فلاقى الصليب كمجرم ولص.
لقد كان هذا الصلب، والحق يقال، بعيداً كل البعد عن تفكير اليهود
والتلاميذ على حد سواء، أولئك الذين كانوا يحلمون بمسيح محرر سياسي يحررهم من ربقة
ونير عبودية الرومان ويجعلهم أسياد العالم بأسره، الأمر الذي لم يفعله يسوع.
فلقد قدم عن ذاته صورة أخرى، مغايرة ألا وهي صورة يسوع متألم، معذب، مرفوض ومصلوب أي
محكوم عليه كمجرم ولص مرفوض ملعون من الشريعة وبعيد عن الله. وفي الوقت ذاته قدم
عن نفسه صورة مسيح قائم من بين الأموات، في اليوم الثالث، هذا الرقم الذي يشير إلى
يوم القيامة العامة(اليوم الثالث)، هذا اليوم الذي أتى مع قيامة يسوع وان قيامتنا
نحن هي وراءنا، قد تمت في يسوع.
إلا أن هذه الصورة الجديدة عن يسوع لم يقبلها التلاميذ الأولون لأول
وهلة بل رفضوها. ولكنهم دخلوا شيئاً فشيئاً في منظوره ، منظور مسيح متألم ومصلوب
يستحق، بموته، الخلاص لكل الناس.
بيد أن هذا المسيح هو المسيح الحقيقي وليس مسيح اليهود أو مسيح
الآخرين. ولأنه كذلك، فهو مسيح المسيحيين وبالتالي هو مسيحي ومسيحَك ومسيحُك وليس
لديناً مسيحاً آخر بديلاً عنه. فهو المسيح الذي نحبه لأنه هو أحبنا أولاً وبذل ذاته
دوننا. وهو المسيح الذي نؤمن ونعترف به. وأخيراً هو المسيح الذي نسجد له ونعبده
لأنه صار محل عبادتنا بدل الهيكل.
المسيحي مصلوب اليوم.
وعلى اثر يسوع وعلى غراره ومثاله، صلب المسيحيون في كل زمان ومكان.
فطوردوا ولوحقوا وعذبوا وشردوا وأخيراً قتلوا. ترى، أليست كنيستنا المشرقية كنيسة
الشهداء. وفي الوقت ذاته ، أرغموا على السكوت والصمت في حين تمتع الآخرون بكل
الحرية والإمكانية من أجل نشر إيمانهم وأديانهم.
ولكن، على الرغم من مرور أكثر من ألفي عام، لا يزال هذا المشهد يتكرر
في العديد من البلدان والأوطان كما في وطننا العزيز العراق. فها هوذا المسيحي في
العراق يصلب كل يوم. إنه يكابد الألم، يضرب، يهجر من بيته يطرد من وطنه، يغرب،
يشرد وأخيراً يقتل لا لذنب اقترفه سوى إنه يحمل هوية المسيحي. وكم وكم من
المسيحيين عذبوا وقتلوا في هذه السنوات الأخيرة بسبب هويتهم المسيحية؟.
فإلى متى سيكف الناس عن صلبنا في العراق كما في العالم. إلى متى لن
يعترفوا بحقنا في الحرية والحياة.، ولكن ليعلم هؤلاء بأن شمس الحرية هذه التي
تخيفهم قادمة، آتية لا محالة، هذه الشمس التي ستنتصر في حين ان ظلم القوة ستندحر
وتنكسر. وإذ ذاك يكون النصر الأخير والغلبة النهائية لشمس الحرية هذه.
وعلى الرغم من كل ما أصابنا أمس ويصيبنا اليوم وسيصيبنا غداً، سنبقى
أمناء، أوفياء لهذا المصلوب الذي أحبنا أولاً. سنبقى راسخين، ثابتين لا تزعزعنا الأخطار
المحدقة بنا ولا التيارات الجارفة التي تعصف بنا اليوم كالإلحاد والمادية.
وسنظل نؤمن به، نحبه، نشهد له. وما الصليب الذي نحمله ويحمل علينا إلا
جزء من إيماننا ومحبتنا له وجزء من رسالتنا. إنه صليب الحب وليس حب الصليب. ولا بد
من صليب الحب هذا في حياتنا المسيحية، ذلك إنه شرط وطريق إلى القيامة فالمجد. كما
كان طريق يسوع المسيح إلى هذه القيامة وهذا المجد إذ لا طريق آخر إلا طريق الصليب
هذا.