عشتارتيفي كوم- سيرياك برس/
اهتمّ الآباء البطاركة والمطارنة ورؤساء الأديرة السريان منذ أقدم العصور بتأسيس المكتبات النفيسة، وجمعوا إليها المخطوطات العلميّة والدينيّة والتاريخيّة، وقد وردت أخبار تلك المكتبات في سياق تاريخ السريان الأدبي. فمن المكتبات التاريخية القديمة، لا بدّ من ذكر خزائن دير قرطمين في طورعبدين، ودير مار متى في الموصل، ودير السريان في مصر ودير مار برصوم في ملطية وخزانة المفارنة في تكريت، حيث كانت هذه المكتبات ينابيع غزيرة للعلم والحكمة والمعرفة، يغترف منها المتتبّعون ما شاؤوا من علم وأدب وحكمة.
فقد تضمنت تلك المكتبات مخطوطات عديدة حملت إرث وثقافة الحضارة السريانية، وقد توزعت تلك المخطوطات في أماكن عدّة وهي: مردة (ماردين) – تركيا (مخطوطات كنيسة الأربعين شهيدًا ومخطوطات دير الزعفران)، دير الشرفة – لبنان (بطريركية السريان الكاثوليك) ودارمسوق (دمشق) – سوريا (بطريركية السريان الأرثوذكس).
- مخطوطات مردة (ماردين) وعددها 1.400 مخطوطًا تمّت رقمنتها بواسطة مؤسسة Hill Museum & Manuscript Library، فيما مخطوطات دير الشرفة البالغ عددها 2.200 مخطوطًا فإنّ بطريركية السريان الكاثوليك في طور رقمنتها.
- أمّا مخطوطات بطريركية السريان الأرثوذكس في دارمسوق (دمشق) والبالغ عددها حوالي 380 مخطوطًا سريانيًّا وعربيًّا، أقدمها يرقى إلى سنة 666 ميلادية (المخطوطة 12/22)، فقد صوّر الأب حزائيل صومي (نيافة مار سويريوس حزائيل صومي بعدئذ) بعضًا منها تصويرًا رقميًّا عام 2000.
وفور تولّي قداسة البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس سدّةَ البطريركية، اهتم وأعطى رعاية خاصة بالناحية الثقافية والعلمية في الكنيسة، وترجمة لذلك قام بتأسيس دائرة الدراسات السريانية، وعين الربان الدكتور روجيه يوسف أخرس (المطران مار سويريوس) مديراً لها، الذي بدوره قام بنهضة فكرية واجتهد في الحفاظ على التراث السرياني ونشره.
وقد عني قداسته بتجميع المخطوطات المتفرقة فألحق بمخطوطات البطريركية المارق ذكرها، مخطوطات العطشانة ومخطوطات الأرخدياقون نعمة الله دنو وأبرشية دمشق وغيرها مما قدمها أصحابها، حتى وصل عددها إلى 750 مخطوطة، والمجموعة قابلة للنموّ بفضل ما يُقدّم من حين إلى آخر من مخطوطات إلى مكتبة البطريركية.
وكان من جملة مهام هذه الدائرة وأولوياتها الاهتمام بالمخطوطات والحفاظ عليها ونشر ما تحتويه من كنوز وذخائر، لذلك باشرت الدائرة بالعمل على تصوير هذه المخطوطات، وكلفت راهبات دير مار يعقوب البرادعي بهذه المهمة، وهكذا بدأت رقمنة مخطوطات البطريركية بالمعايير العالمية العالية الدقّة، تلتها فهرسة بسيطة لبعض المخطوطات غير المعروفة.
كذلك اهتمت أبرشيات عدة ممثلة برؤسائها وبالتعاون مع هذه الدائرة بتصوير مخطوطاتها وحفظها، مثل أبرشية دير مار متى وأبرشية الموصل في العراق، ودير مار يعقوب السروجي في ألمانيا، ومطرانية أمريكا الشرقية، ولا يزال العمل جار مع أبرشيات أخرى.
وفي حديث خاص لوكالة سيرياك برس مع الراهبة سيدة الياس للتعرف أكثر عن المخطوطات السريانية، وطرق تصويرها ورقمنتها، أكدت الياس أن المخطوطات تعرضت عبر الزمن إلى التلف والتدمير والسرقة والحرائق والضياع، لذلك فإن تصويرها يضمن الاحتفاظ بنسخ رقمية عنها في حال فقدت“
بالإضافة إلى التوثيق، فإن تصوير المخطوطات يسهل الوصول إلى المعلومات التي تحتويها تلك المخطوطات، فالصور الرقمية يمكن إرسالها ونسخها بسهولة وبوقت قصير، وبالتالي يستفيد منها أكبر عدد من الراغبين بدراستها أو الاطلاع عليها. الأمر غير ممكن مع المخطوطات نفسها، إذ لا يمكن التعامل مع المخطوطات بشكل سهل، خاصة القديمة منها والمعرضة للتلف، ولا يمكن أصلاً أن تعطى المخطوطات لأحد، لذا يظهر هنا كيف جعلت عملية التصوير الوصول إلى محتويات المخطوطات ممكناً وبسيطاً لكل من يرغب، وذلك بإجراءات روتينية معتمدة إسوة بباقي المكتبات والمتاحف في العالم.
وهكذا، ساهمت عملية التصوير في هذه التسهيلات حافظت بنفس الوقت على المخطوطات بأمان، أيضاً، التقنيات الحديثة المستخدمة بالتصوير توفر دقة عالية بالصور، تضمن للقارئ الحصول على تكبير الصورة بحيث يستطيع قراءة ما لا يمكن قراءته بالعين المجردة أو المكبرة العادية، كما وتوفر ما تحتاجه هذه الصور من تعديل وتغيير بحسب ما يحتاجه الباحث بكل مرونة ويسر.
تتميز مخطوطات بطريركية السريان الأرثوذكس بالتنوع والغنى، فتصنف إلى: الكتب المقدسة، تفاسير الكتب المقدسة، المزامير والمواعظ اللاهوتية والجدل الموسيقى وطقوس الكنيسة، العلوم والطب والفلسفة والقواميس وكتب اللغة والقوانين الكنسية والمجمعية والتاريخ والقصص والأدب والزهد، وكتب عربية مختلفة، والكتب الأثرية السريانية.
أما ما يميز كل مخطوطة أنها منسوخة بخط اليد، وكلما كانت قديمة ازدادت قيمتها، وهنا يأتي نوع الورق المستخدم في النسخ، ونوع الخط والحبر وغيره من الأمور التاريخية، إذاً، فعمر المخطوطة يساهم في تحديد أهميتها وقيمتها.
وللمخطوطات المكتوبة باللغة السريانية أهمية كبرى في الكنيسة السريانية، فهي لغة التراث والهوية، ويعتمد عليها كمراجع ومصادر للبحوث والدراسات كالمقارنات عند الرجوع إلى النصوص القديمة “نقد النصوص”، ومن جهة أخرى، فقد صارت اللغة السريانية عملة نادرة في هذا العصر، لذا تأتي المخطوطات السريانية كآثار نفيسة تزين تاريخنا وتراثنا، وهكذا تزيد اللغة السريانية من قيمة المخطوطة.
على صعيد آخر، بعض المخطوطات نادرة أو وحيدة حتى من حيث المحتوى المتضمن، أو ناسخها وما يتعلق من معلومات النسخ، كالمكان والتاريخ والمعلومات التاريخية والجغرافية، أو مؤلف نصها الأصلي. من هنا تأتي قيمتها من حيث التفرد وعدم أو قلة وجود نسخ مشابهة لها، كما يلعب الجانب الفني دوراً كبيراً في زيادة قيمة المخطوطة، وهو ما صنف في خزانة البطريركية تحت عنوان “كتب أثرية سريانية”، فكلما ازدادت العناية بنسخ المخطوطة من حيث الزينة والرسومات والمنمنمات والزخارف والنقوش ونوع الورق والحبر وماء الذهب وغيرها من الأمور الفنية ازدادت قيمتها، وهو ما لم يبخل به ناسخوا المخطوطات، إذ أظهروا باعاً طويلاً وصبراً منقطع النظير في التفنن في تزيين مخطوطاتهم.
تضمنت العديد من المخطوطات نصوصاً نادرة ونفيسة، وهذا ما زاد من قيمتها كما ذكر سابقاً، بينما هناك مخطوطات جاء محتواها مكرراً لنصوص معروفة اليوم، فيما تفردت بعض المخطوطات بذكر معلومات لم تذكرها نصوص حملت المضمون نفسه.
كما يوجد مخطوطات نادرة من حيث المحتوى أو قيمتها الفنية أو تاريخ نسخها أو الناسخ ومكان النسخ أو المؤلف وغيره من الأمور التي تضفي قيمة للمخطوطة.
وبالأكثر هناك مخطوطات جاءت جديدة بالكامل، وكمثال على ذلك: 160 ميمر لـ “مار يعقوب السروجي”، والتي تمت طباعتهم ونشرهم ككتب في مجلدين كبيرين.
أهمية المخطوطات في البحوث
تعتبر المخطوطات مصدراً ومرجعاً قيماً في البحوث كلها بشكل عام، لا وبل تعطي المخطوطات عند استعمالها في البحوث قيمة للبحث، وقد تكشف عن معلومات لغوية ولاهوتية وتاريخية لم تكن معروفة قبلاً.
فمثلاً للباحثين في اللغة السريانية، تعتبر المخطوطات السريانية بمثابة خزانة أمينة تحافظ على هذه اللغة من الضياع والتبدد وتشهد بكونها لغة حية ولغة حضارة وثقافة على مر العصور وتعتبر هذه المخطوطات المصدر الأول والأكثر ثقة في بحوثهم، فالمخطوطات توفر مصدراً للكلمات والتعابير السريانية المستخدمة عبر الأجيال، وبذلك يمكن استشفاف التطور والتغير الذي طرأ على هذه اللغة، وهناك مخطوطات عنيت بمضمونها باللغة السريانية وقواعدها ومصطلحاتها، الأمر الذي يشكل قاعدة متينة ينطلق منها هؤلاء الباحثون وأساساً راسخاً بينون عليه دراساتهم..
كما وتفيد كمصدر المقارنات النصوص الأدبية والعودة إليها كأصل ومنبع للمعلومات، وبالتالي تمكن الباحث من إجراء المقارنة والتعديل والتصحيح في المجالات الأخرى، كالكتاب المقدس وتفسيره والمواعظ والكتب الطقسية والتاريخية وغيرها.
كذلك تعد المنهل والمصدر لباحثي اللاهوت، فالمخطوطات تصنف “كنصوص مبكرة”، خاصة عند وجود التباس لغوي، وهو ما حصل في الجدالات اللاهوتية كثيراً، وهنا تبرز أهمية المخطوطة كحكم فاصل بمصطلحاتها اللاهوتية الأصيلة، طبعاً مع مراعاة للزمن ومفرداته المستخدمة.
ومن الممكن تتبع المسيرة التاريخية لمسائل لاهوتية والوقوف على خلفياتها التاريخية والجغرافية والأدبية والفلسفية وظروف كتابتها وكل ما يلزم لاستنتاج الغاية من طرحها في ذلك الزمان والمكان، والأسباب التي أدت لتكوين بعض العقائد والأمور الإيمانية أو ظهور هرطقات وبدع، فتساهم المخطوطات بذلك في صون العقيدة والإيمان سليمين.
أما للباحث التاريخي، فلا مرجع أو مصدر يفوق المخطوطة مصداقية وقدراً، إذ احتوت العديد من المخطوطات على توثيق دقيق لأحداث وأخبار وحروب وغيرها من الأمور التي حصلت في زمان النسخ، حتى إن لم تكن المخطوطة تاريخية بمحتواها، فقد دأب النساخ على توثيق بعض الأمور الشخصية والعامة، واهتموا أيضاً بتوثيق أسماء الأخبار والكهنة والشمامسة والرهبان وبعض الشخصيات المعاصرة، وسجلوا معلومات قيمة عن أخبار كنائس وأديرة ومدارس وقرى ومدن، ولم يغفل حافظوا المخطوطات على توثيق عمليات البيع والشراء والتبرع وأمور مالية أخرى جرت وساهمت في انتقال المخطوطة من مكان لآخر.
وهناك جانب أساسي مهم جداً تسلط المخطوطات الضوء عليه، وهو الجانب الثقافي والعلمي الغني والمتنوع إلى جانب الديني والروحي، فالمخطوطات شهدت على هذا الجانب الذي تمتعت به الكنيسة السريانية في التاريخ، لذلك ترى أبواباً عدة في فهارس مخطوطاتنا، إذ لم يكتف آباء هذه الكنيسة بالحياة الدينية والروحية وإشباعها، بل تطرقوا إلى المواضيع العلمية والأدبية والفلسفية كافة، ولم يوفروا جهداً في الترجمة خاصة من اليونانية.
تتم عملية تصوير المخطوطة لتعطي مباشرة نوعين من الصور:
النسخة الأصلية RAW وهي تعتبر صورة خام، ولا تستخدم بشكل دوري، بل تحفظ كما هي بدون أي تعديل، ولا تمنح ولا يتداول بها، فهي تعتبر الصورة الأصلية والضامن لحقوق الملكية.
نسخة JPEG، وهي أصغر حجماً، ويمكن استخدامها وتداولها ونسخها مرات عدة، إضافة لمنحها لمن يرغب.
وخوفاً من خسارة الصور لأي سبب كان، يحتفظ بنسختين لكل نوع RAW, JPEG، فيما يتم نسخها بدون أي تعديل وذلك لاتباع المعايير المطلوبة لتصوير المخطوطات والتقيد بها، وبالتالي الحصول على أفضل جودة للصورة، وأخيراً تحفظ الصور تحت إشراف المعنيين بالأمر فقط.
|