عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: جورجينا بهنام حبابه
بغداد, الخميس 15 يناير، 2026
في قرية باقوفا الغافية في السهل الممتدّ بين الموصل، مركز محافظة نينوى العراقيّة، وناحية ألقوش، أبصَرَ أوجين بن مرّوكي مَنّا النور سنة 1866، وفيها عاش سنواته الأولى قبل التحاقه بمعهد مار شمعون الصفا الكهنوتيّ البطريركيّ في الموصل سنة 1885 ليتتلمذ على يدَي الأب توما أودو (المطران الشهيد لاحقًا).
رَسَمه البطريرك الكلدانيّ إيليا عبّو اليونان كاهنًا في عيد العذراء المنتقلة إلى السماء، سنة 1889، لتنطلقَ أولى خطوات الكاهن، فالمطران والعلّامة يعقوب أوجين منّا، في مسيرة خدمته الكنيسة الكلدانيّة. حفلت مسيرة مَنّا بمحطّاتٍ إبداعيّة عدّة كرّسته «نجمًا أضاء الكنيسة الكلدانيّة بِعلمه ومعارفه فترةً وجيزة، ثمّ هوى فجأة»، كما وصفه المطران حبيب هرمز، راعي أبرشيّة البصرة والجنوب الكلدانيّة، في حديثه إلى «آسي مينا».
نوَّه هرمز بتميّز مَنّا في اللغات، ولا سيّما شغفه باللغة الطقسيّة التي صبَّ كثيرًا من الجهد والبحث في شأنها، وكان مِن أوائل مَن خلصوا إلى إطلاق تسمية «اللسان الآراميّ» على اللغة السريانيّة، ووضع كتابًا مهمًّا في شأنها عنوانه «الأصول الجَلِيّة في نحو اللغة الآراميّة على مذهَبَي الشرقيّين والغربيّين»، شاملًا قواعد الآراميّة بشكليها الكلدانّي الشرقيّ والسريانيّ الغربيّ، صدر سنة 1896 عن مطبعة الآباء الدومنيكان. وبيَّنَ أنّ نباهته لفتَت رؤساءه، فتعيَّنَ لتدريس اللغة الطقسيّة في معهد شمعون الصفا الكهنوتيّ البطريركيّ، وأعيرَت خدماته إلى معهد مار يوحنّا الحبيب الكهنوتيّ للآباء الدومنيكان أيضًا، فضلًا عن إشرافه على ما تُنجِزه مطبعتهم حينئذٍ باللغة السريانيّة (الآراميّة) بشقّيها الشرقيّ والغربيّ.
قاموسه الرائد
عُرِف بنشاطه البحثيّ وغزارة نتاجه الفكريّ، ومن أهمّ آثاره المطبوعة قاموسه الأشهر «دليل الراغبين في لغة الآراميّين» المطبوع سنة 1900 وهو معجم كلدانيّ-عربيّ، وطبعه ثانيةً المطران روفائيل بيداويد، البطريرك بعدئذٍ، سنة 1975 مع زيادة قرابة 3000 كلمة ونشره في بيروت. ثمّ طبعه اتّحاد الأدباء السريان ثالثةً، بجزئين في أربيل. وما زال قاموسه المرجع الأوثق، رغم مرور أكثر من قرنٍ على طبعته الأولى. ويَذكُر هرمز من آثار منّا أيضًا: «المروج النزهيّة في آداب اللغة الآراميّة» و«تسليم السريان الشرقيّين لسلطة البابا حسب تقليد الكنيسة السريانيّة»، واجتهد في وضع معجم عربيّ-كلدانيّ لم يكتمل، ومؤلّفات أخرى فُقِدَت جميعها.
جدير بالذكر أنّ البطريرك الكلدانيّ يوسف عمّانوئيل الثاني رسَم منّا سنة 1902 مطرانًا على «وان»، في تركيا الحاليّة، برفقة المطران الشهيد أدّي شير مطرانًا لسعرد، وإسطيفان جبري مطرانًا لكركوك. وبسبب تداعيات الحرب العالميّة الأولى، غادر منّا أبرشيّته في رحلةٍ تضمّنت بلدانًا ومدنًا عدّة، ضمنها روما سنة 1919، قبل أن يستقرّ في الموصل. لاحقًا، أوفده البطريرك وكيلًا بطريركيًّا في البصرة والأهواز ما بين عامَي 1923 – 1927 ثمّ عاد إلى الموصل.
اختفى من المقرّ البطريركيّ يوم 15 يناير/كانون الثاني 1928، عقب فشل محاولته السفر إلى روما، وعُثِرَ على جثّته بعد 29 يومًا طافيةً في نهر دجلة قرب قرية السلّاميّة حيث آثار النمرود، ودفِن في كنيسة مسكنته.
|