قناة عشتار الفضائية
 

للمرة الثانية.. ماجد شماس توما من بغداد مستشاراً في جمهورية التشيك

 

عشتارتيفي كوم- سيرياك برس/

 

براغ — وفق أي معيار تقليدي للنفوذ، كان يفترض ألّا توجد قصة ماجد شماس توما. فهو ينتمي إلى أحد أقدم شعوب الشرق الأوسط، المجتمع الكلداني السرياني الآشوري، أمة أصلية صمدت في وجه الإمبراطوريات والاضطهادات والتهجير ومحاولات الطمس. وفي أراضي أجدادها، غالباً ما عانت هذه الجماعة من التهميش. غير أنّها، في المهجر، أنجبت بهدوء صانعي جسور التواصل. وتوما واحدٌ منهم.

جرى تعيين توما هذا الشهر للمرة الثانية مستشاراً في جمهورية التشيك، حيث يشغل حالياً منصب مستشار السياسة الخارجية للنائب الأول لرئيس البرلمان التشيكي. وبالنسبة لرجل وُلد في بغداد، وينحدر من جذور مسيحية موصلية في قطر عميقة، يحمل هذا التعيين بُعدين شخصياً وسياسياً معاً، كتذكير بأن المنفى قد يسلب الناس الجغرافيا، لكنه لا ينتزع منهم القدرة على الفعل.

غادر توما العراق عام 1993، ضمن جيل تشكّل وعيه في ظل العقوبات وعدم الاستقرار وتقلّص الآفاق. ووصل إلى جمهورية التشيك في فترة كانت البلاد نفسها تعيد فيها تعريف هويتها. فقبل ذلك بأربع سنوات فقط، كانت “الثورة المخملية” عام 1989 قد أطاحت سلمياً بالحكم الشيوعي، بقيادة الكاتب المسرحي الذي أصبح رئيساً للجمهورية، فاتسلاف هافيل.

الدولة التشيكية الجديدة، التي أُعلنت رسمياً عام 1993 عقب “الطلاق المخملي” الودي عن سلوفاكيا، تأسست على التزام راسخ بالديمقراطية الليبرالية، والاندماج الأوروبي، ونهج أخلاقي مميّز في السياسة الخارجية، مستند إلى تجربة معيشة مباشرة مع الاستبداد.

في هذا المناخ اندمج توما، حيث أتمّ دراسته الثانوية والجامعية، قبل أن ينال درجة الماجستير في العلاقات الدولية والدراسات الأوروبية. وقد عكس تركيزه الأكاديمي واقعه الشخصي، المتمثل في قضايا الحدود والدبلوماسية وفنّ التعايش الدقيق بين عوالم غير متكافئة.

وعلى مرّ السنوات، أصبح توما وجهاً مألوفاً في الأوساط السياسية والاقتصادية التشيكية. ويشغل حالياً منصب رئيس مجلس الأعمال التشيكي–العراقي، حيث أدّى دوراً بارزاً في إعادة بناء العلاقات الاقتصادية بين براغ وبغداد بعد عام 2003.

وفي وقت كان العراق يُقدَّم فيه إلى حدّ كبير عبر خطاب الحرب والانهيار، عمل توما عبر قنوات أقل صخباً: وفود تجارية، وأطر استثمارية، وبناء الثقة المؤسسية، مساهماً في مساعدة الشركات التشيكية على إعادة الانخراط في السوق العراقية وتلبية احتياجاتها في مجالي البنية التحتية والتنمية.

فقد حظي عمله باهتمام واضح. حيث شغل توما في السابق منصب مستشار لرئيس الوزراء التشيكي، ويعمل اليوم على المستوى البرلماني، مساهماً في صياغة استراتيجيات السياسة الخارجية، وتعزيز الشراكات الدولية، وتوسيع قنوات التواصل السياسي.

وتكمن قوة تأثيره، أقلّ في الخطب العلنية، وأكثر في القرب من دوائر القرار، في قدرته على الترجمة بين ثقافات سياسية مختلفة، وشرح تعقيدات الشرق الأوسط بعيداً عن اختزاله في الأزمات، وتذكير صانعي القرار الأوروبيين بأن الأقليات ليست هوامش في النص، بل أطرافاً فاعلة وأصحاب مصلحة حقيقيين.

يكتسب هذا الدور الجسري أهمية خاصة في ضوء التاريخ السياسي لجمهورية التشيك نفسها. فبعد خروجها من عقود من الهيمنة السوفيتية، شدّدت الدبلوماسية التشيكية تقليدياً على حقوق الإنسان، والسيادة الوطنية، والتشكيك في الأيديولوجيات المفروضة من الخارج.

وهذه النزعات، التي وُلدت في براغ وتبلورت حدّتها في مدن مثل وارسو وبودابست، تتقاطع بعمق مع تجارب مجتمعات كالمسيحيين السريان في العراق، الذين عاصروا طويلاً معنى العيش تحت أنظمة تنكر التعددية.

ويجسّد توما هذا التقاطع. فهو لا يعمل بصفته تكنوقراطياً منفصلاً عن الواقع، بل فاعلاً من أبناء المهجر يدرك أن القرارات السياسية المتخذة في العواصم الأوروبية تمتدّ آثارها إلى ما هو أبعد، لتطال مجتمعات هشّة تبعد آلاف الكيلومترات.

وقد جعلته شبكة علاقاته الواسعة الممتدة عبر أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأوسط محاوِراً موثوقاً، في وقت باتت فيه الثقة بين المناطق شديدة الندرة.

وبالنسبة للشعب الكلداني السرياني الآشوري، تحمل مسيرة توما دلالة رمزية لافتة؛ إذ تتحدى السردية المستهلكة التي تختزل اللاجئ في صورة الضحية الدائمة. وبدلاً من ذلك، تقدّم نموذجاً آخر: المهني المُهجَّر الذي يعاود الدخول إلى فضاء السياسة العالمية لا عبر المظلومية، بل عبر الكفاءة؛ لا عبر الحنين وحده، بل عبر الحضور والتأثير.

ومع ذلك، فإن قصة توما ليست حكاية ابتعاد عن بيث نهرين، بل قصة اتصال بها. ويشير من يعملون معه إلى إصراره الدائم على تقديم العراق لا بوصفه مجرد ساحة صراع، بل بلداً يزخر بالإمكانات الاقتصادية والثقافية والإنسانية. وبهذا المعنى، يعكس عمله مسؤولية أوسع تقع على عاتق أبناء المهجر تتمثل في تضييق الفجوة بين الوطن الأم وبلد الإقامة، لا عبر رومَنسة الماضي، بل من خلال الاستثمار في المستقبل.

وفي قرن يتّسم بالهجرة القسرية، يجسّد ماجد شماس توما حقيقة أكثر هدوءاً وعمقاً: فعندما تُمنَح الشعوب المُهجَّرة أرضية عادلة وفرصاً بحجم الإنسان، فإنها لا تذوب ولا تتلاشى، بل تعيد تركيب ذاتها. تحمل الذاكرة إلى فضاء السياسات، والأخلاق إلى عالم الاقتصاد، والتاريخ إلى الغرف التي تُصنَع فيها القرارات.

وبالنسبة للعراق، ولجمهورية التشيك، ولشعبٍ تمتد جذوره أعمق من حدود الدول الحديثة، قد يكون هذا هو الشكل الأكثر رسوخاً واستدامة للدبلوماسية.