عشتارتيفي كوم- أبونا/
أكد بطريرك القدس للاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، أن رسالة البابا لاون الرابع عشر من أجل السلام تشكّل «كلمة في وقتها وضرورة ملحّة للمرحلة التي نعيشها، ليس لأنها تقدّم حلولًا سريعة أو أجوبة سهلة، بل لأنها ترفض الاستسلام بوصفه الأفق الأخير للتاريخ».
جاء ذلك في كلمته خلال الخدمة السنوية السابعة عشرة للصلاة بين الأديان من أجل السلام، التي استضافتها البعثة الدائمة للكرسي الرسولي لدى الأمم المتحدة في جنيف، وجمعت نحو ثلاثمائة دبلوماسي وسفير وقائد ديني من مختلف أنحاء العالم، للتأمّل في رسالة البابا لاون الرابع عشر بمناسبة اليوم العالميّ للسلام 2026، والتي حملت عنوان: «نحو سلامٍ مُجَرَّد من السلاح ويُجَرِّد من السلاح».
وشدّد الكاردينال بيتسابالا على أن العالم يعيش اليوم مناخًا دوليًا يتسم بالحروب المتواصلة، والتفكك المتزايد، وبروز فكرة خطيرة تعتبر الحرب أداة حتمية في العمل السياسي. وفي هذا السياق، رأى أن رسالة البابا توجّه نداءً شاملًا «إلى الجميع من دون استثناء»، داعيةً إلى تحمّل مسؤولية مشتركة، وعدم التخلي عن مسيرة السلام «حتى عندما تبدو هشّة، بعيدة أو غير واقعية».
وأشار بطريرك القدس إلى أن الحديث عن السلام قد يبدو، بالنسبة إلى كثيرين اليوم، في غير مكانه، ولا سيما في مناطق تشهد عنفًا مدمّرًا، وعلى رأسها الأرض المقدسة. وقال إن العنف «خلّف جراحًا عميقة، جسدية ورمزية، إلى حدّ يجعل من الصعب حتى تخيّل مستقبل مختلف». لكنه حذّر في المقابل من أن التخلي عن السلام يعني «قبول الحرب كلغة سائدة في العلاقات الإنسانية والدولية»، مؤكدًا أن رسالة البابا لا تتجاهل خطورة الواقع، لكنها ترفض أن يكون لها الكلمة الأخيرة.
الأرض المقدسة: بين العنف والرجاء
وتوقّف الكاردينال بيتسابالا مطولًا عند وضع الأرض المقدسة، معتبرًا أنها تمثّل بأوضح صورة هذا التوتر القائم بين العنف والرجاء. وأوضح أن الحرب هناك لم تدمّر المدن فحسب، بل «تركت ندوبًا في ضمائر الناس، وسمّمت اللغة، وأضعفت القدرة على رؤية الآخر لا كعدو، بل كشريك في الحوار». وحذّر من أن هذا الألم قد يدفع المجتمعات إلى حصرها في دوامة «ضحية في مواجهة ضحية»، ما يجعل المصالحة أكثر بُعدًا مع مرور الوقت. وفي هذا الإطار، شدّد على ضرورة التمييز بين وقف العنف وبداية السلام، قائلًا إن «إنهاء العنف، على أهميته وإلحاحه، لا يعني تلقائيًا ولادة السلام».
وأوضح بطريرك القدس، مستشهدًا بقداسة البابا لاون الرابع عشر، أن السلام «ليس لحظة عابرة، ولا مجرّد نتيجة لوقف إطلاق نار أو توقيع اتفاق، بل هو مسار طويل وصعب، معرّض للفشل، ويتطلّب وقتًا وصبرًا ومثابرة». وأضاف أن السلام الحقيقي يستلزم «عملًا عميقًا على مستوى الضمائر، والعلاقات، والأنظمة التي تنظّم حياتنا المشتركة»، محذرًا من أن الحلول السياسية، مهما بلغت دقّتها، ستبقى هشّة وقابلة للانهيار ما لم تترافق مع تحوّل داخلي وبنيوي حقيقي.
الاستثمار في السلام
وفي هذا السياق، شدّد الكاردينال بيتسابالا على أن السلام لا يمكن أن يُختزل في شعار أو يُعامل كهدف ثانوي، بل يجب أن يصبح «معيارًا لتقييم الخيارات السياسية والمسؤوليات المؤسساتية». وأكد غبطته أن السلام يُقوَّض من جذوره عندما تُضحّى كرامة الإنسان لصالح منطق المصلحة الذاتية، أو لأمن يُفهم بشكل إقصائي، أو بحثًا عن توافق سريع. وأضاف: «لا سلام دائم من دون عدالة، ولكن لا عدالة حقيقية ما لم يُعترف بالآخر كإنسان، لا كأداة أو عقبة».
وأشار غبطته إلى أنّ البابا لاون الرابع عشر قد سلّط الضوء على الدور الذي لا غنى عنه للمجتمع الدولي، معتبرًا أن التدخّل عند اندلاع النزاعات أو الاكتفاء بإدارة الأزمات الإنسانية لا يكفي. ودعا إلى مرافقة مسارات إعادة البناء الاجتماعي والمؤسساتي والثقافي، من خلال دعم التعليم، وفتح مساحات للحوار، واعتماد سياسات تتجاوز الحسابات القصيرة الأمد. وقال غبطته إنّ الاستثمار في السلام يعني «القبول بأن ثماره لن تكون فورية، بل ستؤثّر على مستقبل الأجيال القادمة».
لا يمكن إغفال البُعد الديني
وتوقّف الكاردينال بيتسابالا عند البُعد الديني، مشددًا على أنه لا يمكن تجاهله في مناطق النزاع، حيث يرتبط الدين بالهوية والذاكرة الجماعية. وأقرّ بأن الدين قد يُساء استخدامه لتبرير العنف، لكنه في الوقت نفسه يمتلك «طاقات روحيّة وأخلاقيّة هائلة» قادرة على فتح مسارات قيّمة للمصالحة. ورأى أن رسالة البابا توجّه نداءً خاصًا إلى الجماعات الدينية من أجل «حماية لغة لا توجّج الخوف أو الكراهية، بل تمهّد الطريق للتوبة والمسؤولية والاعتراف بكرامة كل إنسان».
رسالة مدينة القدس الأسمى
ووصف الكاردينال بييرباتيستا مدينة القدس بأنها «رمز قوي ومأساوي في آن»، محذرًا من اختزالها في مجرد موضوع نزاع أو ادعاء امتلاكها من قبل هوية واحدة، لأن ذلك يشكّل، بحسب تعبيره، «خيانة لرسالتها الأسمى». وأكد أن المدينة المقدسة لا تزال تتحدى المجتمع الدولي حول إمكانية العيش المشترك القائم على الاحترام المتبادل والاعتراف بالآخر.
وتطرّق بطريرك القدس إلى شهادة الكنيسة في الأرض المقدسة، واصفًا إياها بأنها «صغيرة وهشّة، بلا قوة سياسية»، لكنها مدعوّة إلى صون رؤية إنسانية تجعل السلام ممكنًا. وقال: أن تكون الكنيسة حاضرة هناك يعني «الإبقاء على مساحات الحوار مفتوحة، ورفض منطق الانتماء الإقصائي، والاستمرار في الإيمان بالمصالحة حتى عندما تبدو مستحيلة على المستوى البشري».
وختم الكاردينال بيتسابالا بالتأكيد على أن استقبال رسالة البابا لاون الرابع عشر «لا يعني الوقوع في تفاؤل ساذج»، بل هو «تبنّي رجاء يتطلّب التزامًا شجاعًا». رجاء لا ينكر واقع الجراح والصدمة والخوف، لكنه يرفض أن تكون لها الكلمة الأخيرة، معتبرًا أن الاستمرار في العمل من أجل السلام اليوم هو «مسؤولية أخلاقية وسياسية في آن»، وأن التخلّي عن هذه المهمة يعني «القبول بالحرب كأفقٍ دائمٍ للتاريخ»، فيما السعي إلى السلام هو أمانة لله وللإنسان ولأعمق دعوة إنسانية.
|