قناة عشتار الفضائية
 

البابا: إنَّ الكنيسة تشجعكم على أن تكونوا خميرة سلام وعلامة رجاء

 

عشتار تيفي كوم - الفاتيكان نيوز/

بمناسبة عيد تقدمة الرب إلى الهيكل واليوم العالمي الثلاثين للحياة المكرّسة ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر عصر الإثنين القداس الإلهي في بازيليك القديس بطرس وللمناسبة ألقى الأب الأقدس عظة قال فيها اليوم، في عيد تقدمة الرب، يحدّثنا الإنجيل عن يسوع الذي تعرّف عليه سمعان وحنة في الهيكل وأعلناه مسيحاً. ويقدم لنا اللقاء بين حركتين من الحب: حركة الله الذي يأتي ليخلص الإنسان، وحركة الإنسان الذي ينتظر مجيئه بإيمان ساهر.

تابع الأب الأقدس يقول من جانب الله، تُظهر لنا تقدمة يسوع كابن لعائلة فقيرة في المشهد الأورشليمي العظيم، كيف يقدم نفسه لنا في احترام تام لحريتنا وفي مشاركة كاملة لفقرنا. ففي عمله لا يوجد شيء قسري، بل فقط قوة مجانيته المجرَّدة من السلاح والتي تُجرِّد من السلاح. ومن جانب الإنسان، في المقابل، يمثّل الشيخان، سمعان وحنة، انتظار شعب إسرائيل في أوج ذروته، كقمة لتاريخ طويل من الخلاص، يمتد من جنة عدن إلى باحات الهيكل؛ تاريخ مطبوع بالأنوار والظلال، بالسقوط والنهوض، لكنه دائماً ما تسكنه رغبة حيوية واحدة: استعادة الشركة الكاملة بين الخليقة وخالقها. وهكذا، على بعد خطوات قليلة من "قدس الأقداس"، يقدم نبع النور نفسه كمصباح للعالم، ويمنح "اللامتناهي" نفسه لـ "المتناهي"، بطريقة متواضعة لدرجة أنها تكاد تمر دون أن يلاحظها أحد.

أضاف الحبر الأعظم يقول نحن نحتفل باليوم العالمي الثلاثين للحياة المكرسة في أفق هذا المشهد، معترفين فيه بأيقونة لرسالة الرهبان والراهبات في الكنيسة وفي العالم، كما حث البابا فرنسيس: "أيقظوا العالم"، لأن السمة التي تميز الحياة المكرسة هي النبوءة". أيها الأعزاء والعزيزات، تطلب منكم الكنيسة أن تكونوا أنبياء: رسلاً يبشرون بحضور الرب ويهيئون طريقه. وباستخدام تعابير ملاخي، التي سمعناها في القراءة الأولى، تدعوكم الكنيسة لكي تجعلوا من أنفسكم، من خلال "إفراغ ذواتكم" السخي من أجل الرب، مجامر لنار السَّبَّاكِ ومَسْحُوق مُنَظِّفٍ لِلثِّيَابِ، لكي يستطيع المسيح، ملاك العهد الوحيد والأزلي، الحاضر اليوم أيضاً بين البشر، أن يصهر ويطهر قلوبهم بحبه ونعمته ورحمته. وهذا ما أنتم مدعوون للقيام به قبل كل شيء من خلال تضحية حياتكم، متجذرين في الصلاة ومستعدين لبذل ذواتكم في المحبة.

تابع الأب الأقدس يقول لقد ترك لكم مؤسسوكم ومؤسِّساتكنَّ، الطائعون لعمل الروح القدس، نماذج رائعة لكيفية عيش هذه الوصيّة بشكل فعلي. وفي توتر مستمر بين الأرض والسماء، وبإيمان وشجاعة، سمحوا للرب بأن يقودهم، انطلاقاً من مائدة الإفخارستيا، فمنهم من ذهب إلى صمت الأديرة، ومنهم إلى تحديات الرسالة، ومنهم إلى التعليم في المدارس، ومنهم إلى بؤس الشوارع، ومنهم إلى تعب الإرساليات. وبالإيمان عينه عادوا، في كل مرة، بتواضع وحكمة، عند أقدام الصليب وأمام بيت القربان، لكي يقدموا كل شيء ويجدوا في الله مصدر وغاية كل عمل من أعمالهم. وبقوة النعمة، اندفعوا أيضاً في مشاريع محفوفة بالمخاطر، فصاروا حضوراً مصلياً في بيئات معادية وغير مبالية، ويداً سخية وكتفاً صديقاً في سياقات التدهور والإهمال، وشهادة سلام ومصالحة في وسط مشاهد الحرب والكراهية، مستعدين أيضاً لتحمل عواقب العمل "عكس التيار" الذي جعلهم في المسيح "آيَةً مُعَرَّضةً لِلرَّفْض"، وأحياناً وصولاً إلى الاستشهاد.

أضاف الحبر الأعظم يقول لقد كتب البابا بندكتس السادس عشر أن "تفسير الكتاب المقدس يبقى غير مكتمل إذا لم يضع نفسه في الإصغاء أيضاً إلى الذين عاشوا كلمة الله حقاً"؛ ونحن نريد أن نتذكر الإخوة والأخوات الذين سبقونا كرواد لهذا "التقليد النبوي، الذي تضع فيه كلمة الله حياة النبي نفسها في خدمتها". ونحن نقوم بذلك بشكل خاص لنتسلم منهم المشعل. فاليوم أيضاً، ومن خلال اعتناق المشورات الإنجيلية وخدمات المحبة المتعددة التي تقدمونها، أنتم مدعوون لكي تشهدوا، في مجتمع يبدو فيه أن الإيمان والحياة يبتعدان أكثر فأكثر عن بعضهما البعض باسم تصور خاطئ واختزالي للشخص، بأن الله حاضر في التاريخ كخلاص لجميع الشعوب. لكي تشهدوا أن الشاب والمسن والفقير والمريض والسجين، لهم قبل كل شيء مكانهم المقدس على مذبحه وفي قلبه، وفي الوقت عينه كل واحد منهم هو مزار لا ينتهك لحضوره، يجب أن نحني الركب أمامه لكي نلتقي به ونعبده ونمجِّده.  

تابع الأب الأقدس يقول والعلامة على ذلك هي "معاقل الإنجيل" العديدة التي تحافظ عليها الكثير من جماعاتكم في مختلف السياقات وأكثرها صعوبة، حتى في وسط الصراعات. فهم لا يغادرون ولا يهربون؛ بل يبقون، متجردين من كل شيء، لكي يكونوا تذكيراً، أبلغ من ألف كلمة، بقدسية الحياة التي لا تنتهك في جوهرها، مرددين بوجودهم -حتى حيث تدوي الأسلحة وحيث يبدو أن الغطرسة والمصلحة والعنف هي السائدة- صدى كلمات يسوع: "إِيَّاكُمْ أَنْ تَحْتَقِرُوا أَحَدًا مِنْ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلاَئِكَتَهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ".

أضاف الحبر الأعظم يقول وأود أن أتوقف، في هذا الصدد، عند صلاة سمعان الشيخ، التي نتلوها جميعاً كل يوم: "الآنَ تُطلِقُ، يا سَيِّد، عَبدَكَ بِسَلام، وَفْقًا لِقَوْلِكَ فقَد رَأَت عَينايَ خلاصَكَ". إن الحياة الرهبانية، في الواقع، بتجردها الهادئ عن كل ما يزول، تعلِّم عدم الانفصال بين العناية الأكثر أصالة للحقائق الأرضية والرجاء المحب في الحقائق الأبدية، التي تم اختيارها في هذه الحياة كغاية قصوى وحصرية، قادرة على إنارة كل شيء آخر. لقد رأى سمعان في يسوع الخلاص وهو حر أمام الحياة والموت. وكـ "رجل بار تقي"، مع حنة، التي كانت "لا تُفارِقُ الـهَيكَل"، يثبت نظره على الخيرات المستقبلية.

تابع الأب الأقدس يقول يذكرنا المجمع الفاتيكاني الثاني بأن "الكنيسة [...] لن تبلغ كمالها إلا في المجد السماوي، عندما يأتي الوقت الذي فيه [...] يجد الكون بأسره مع الجنس البشري [...] كماله النهائي في المسيح". هذه النبوءة أيضاً موكلة إليكم، أيها الرجال والنساء الذين تقفون بثبات على الأرض، ولكنكم في الوقت عينه "تتطلعون باستمرار إلى الخيرات الأبدية". لقد مات المسيح وقام من بين الأموات "لكي يحرر [...] الذين كانوا خوفاً من الموت خاضعين للعبودية طوال حياتهم"، وأنتم، الملتزمون باتباعه عن كثَب، والذين تشاركون في "إخلائه لذاته" لكي تعيشوا في روحه، يمكنكم أن تُظهروا للعالم، في حرية من يحب ويغفر بلا حدود، الدرب لتجاوز الصراعات وزرع الأخوَّة.

وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول أيها المكرسون والمكرسات الأعزاء، إنَّ الكنيسة تشكر اليوم الرب وتشكركم على حضوركم، وتشجعكم على أن تكونوا، حيثما تُرسلكم العناية الإلهية، خميرة سلام وعلامة رجاء. نوكل عملكم إلى شفاعة العذراء مريم الكليّة القداسة وجميع مؤسسيكم ومؤسِّساتكنَّ القديسين، بينما نجدد معاً على المذبح تقدمة حياتنا لله.