قناة عشتار الفضائية
 

المتانة التي تزعجنا... زوال الأشياء التي تدوم

 

عشتارتيفي كوم- اندبندنت/

 

داليا محمد صحافية

الأحد 8 شباط فبراير 2026

 

في منزل جدي الذي بقي صامداً على رغم الحرب المدمرة التي شهدتها سوريا، لا تزال هناك خزانة خشبية ثقيلة تحتل زاوية لا تتغير. لونها داكن وحوافها مستهلكة ومفصلاتها تصدر صوت أزيز خافت عند الفتح، كأنها تتنحنح قبل أن تؤدي واجبها اليومي.

لا أحد يتذكر متى دخلت إلى البيت، ويبدو كأنها كانت هناك دائماً. مرت عليها أعوام كثيرة تتجاوز الخمسة عقود، وتغيرت الأذواق وتبدل ترتيب الغرف، لكنها بقيت ثابتة على نحو يثير الإعجاب… ويثير ضيقاً خفياً في الوقت نفسه.

وفي كل مرة يقترح أحد استبدالها، يتراجع الاقتراح سريعاً. فالخزانة لا تزال بحال ممتازة، ليس فيها شيء مكسور، ولا جزء معطوب، ويبدو وكأنها تتحدى فكرة الاستغناء عنها.

ومع ذلك، لا أحد يحبها حقاً، ولا أحد يدافع عنها بحماسة. وجودها أشبه باتفاق صامت، سنتركها هنا لعدم وجود سبب مقنع للتخلص منها.

هذه المفارقة تربك كثيراً من الناس، أن يصمم شيء ليخدمنا طويلاً، ثم يصبح طول خدمته عبئاً شعورياً لا نعرف كيف نبرره. نعجب بقدرته على الصمود، لكننا نشعر في مكان ما داخلنا بأن استمراره يقيدنا. وكأن الأشياء التي ترفض التعطل تضعنا أمام سؤال لا نحب مواجهته، لماذا نشعر بعدم الارتياح أمام ما يدوم طويلاً؟

 

حين كانت المتانة علامة ثقة

لم يكُن دوام الأشياء في الماضي يحتاج إلى دفاع عنه، إذ كان بديهياً وجزءاً من المنطق الذي تدار به الحياة، وأن تشتري شيئاً متيناً يعني أنك تستطيع الاعتماد عليه في الغد، وتربط الحاضر بالمستقبل بخيط من الطمأنينة. وفي مجتمعات ما قبل الاستهلاك السريع، كانت المتانة مرادفاً للأمان، الأمان الاقتصادي وأمان الاستقرار، وحتى أمان الذاكرة.

تشير دراسات اجتماعية في تاريخ الاستهلاك إلى أن الناس كانوا ينظرون إلى الأشياء على أنها استثمار طويل الأمد، لا قرار لحظي. ويصف عالم الأنثروبولوجيا الاستهلاكية غرانت ماكراكن السلع ضمن كتاباته بأنها "حاملة للمعنى"، تنتقل من جيل إلى آخر محملة بقصص أصحابها. ولهذا لم تكُن الأدوات ترمى عند أول عطل، بل يجري إصلاحها وإعادتها للحياة مرة تلو أخرى. وكانت هناك علاقة واضحة بين اليد التي تستخدم والشيء الذي يخدم، قوامها الاعتياد لا الملل.
والملابس بدورها لم تكُن موسمية بالمعنى الذي نعرفه اليوم. كانت تُفصل لتدوم وترقّع ثم تورث، فيصبح المعطف الذي ارتداه الأب أثقل قليلاً على كتفي الابن، لا بسبب وزن القماش، بل بسبب ما يحمله من أثر الزمن. ويرى الباحث راسل بيلك في دراسته عن "الذات الممتدة" أن بعض الممتلكات تصبح جزءاً من هوية أصحابها، لا لأنها ثمينة بل لأنها رافقتهم طويلاً.

حتى الأجهزة المنزلية التي نراها اليوم رموزاً للاستهلاك السريع، كان تصميمها يتم في منتصف القرن الـ20 لتخدم لعقود، وكانت الثلاجات والغسالات وأجهزة الراديو تُشترى مرة واحدة في حياة العائلة وتخضع للصيانة والإصلاح بدلاً من استبدالها. وتظهر أبحاث في تاريخ التصميم الصناعي أن فكرة العمر الافتراضي القصير لم تكُن هي القاعدة بل الاستثناء. وفي ذلك الزمن، لم تكُن الأشياء عبئاً نفسياً، بل كانت امتداداً طبيعياً للحياة اليومية، تشيخ مع أصحابها وتحتفظ بأثرهم، ولم يكن بقاؤها يثير الضيق، بل يمنح شعوراً بالاستمرارية.

 

من الديمومة إلى الاستهلاك

لم يحدث التحول فجأة، ولم يرافقه رفع شعارات تنذر بما سيأتي. لم تستيقظ المجتمعات ذات صباح لتقرر أن الأشياء يجب أن تعيش أقل. ما تغير هو الإيقاع من حولها. بدأت فلسفة التصميم تنزلق بهدوء من فكرة "يدوم" إلى منطق "يتقادم". ولم يعُد العمر الطويل فضيلة بحد ذاته، بل عائقاً أمام التحديث، وبالتأكيد في وجه الربح.

وفي بدايات القرن الـ20، كان من الممكن أن تشتري جهازاً أو أداة وأنت تتوقع استخدامها لأعوام طويلة وربما مدى الحياة. لكن مع تسارع الإنتاج الصناعي، ظهرت فكرة العمر الافتراضي القصير بوصفها حلاً عملياً، منتج يعمل بصورة جيدة… ولكن ليس لفترة طويلة جداً. وأصبحت التحديثات متلاحقة، لا لأن الحاجة التقنية تفرض ذلك دائماً، بل لأن السوق تعوّد على الجديد. والموضة التي كانت حكراً على الملابس، تحولت إلى إيقاع قاسٍ يشمل كل شيء، من السيارات إلى الأدوات المنزلية إلى المعدات الكبيرة والصغيرة.

واحدة من أشهر القصص التي تكشف عن هذا التحول ما يعرف بـ"مصباح ليفرمور" في كاليفورنيا، وهو مصباح كهربائي أُضيء عام 1901 وما زال يعمل حتى اليوم في محطة إطفاء في مشهد يبدو شبه خيالي. وليس هذا المصباح معجزة، بل إنه شاهد على أن صناعة المصابيح كانت قادرة تقنياً على إنتاج منتجات طويلة العمر، والمفارقة هي أن هذه القدرة نفسها أصبحت لاحقاً مشكلة.

وخلال عشرينيات القرن الماضي، اجتمعت كبرى شركات تصنيع المصابيح الكهربائية، من بينها شركات أميركية وأوروبية، في ما عُرف لاحقاً بـ"كارتل فيبوس" Phoebus Cartel.

ولم يكُن الهدف تحسين الجودة، بل العكس الاتفاق على تقليص العمر الافتراضي للمصابيح إلى نحو ألف ساعة فقط. ويرى المؤرخون الاقتصاديون في هذه اللحظة واحدة من أوائل الأمثلة الموثقة على ما سيعرف لاحقاً بـ"التقادم المخطط"، إذ لم يعُد المصباح الذي يدوم طويلاً مربحاً بما يكفي.
ولم يكُن المستهلك طرفاً واعياً في هذا القرار، وجرى التحول في الخفاء وبهدوء تحت غطاء التطوير والتحديث. ومع الوقت، انتقل هذا المنطق إلى صناعات أخرى، وأصبح الإصلاح الذي كان خياراً بديهياً، غير منطقي من الناحية الاقتصادية. وصارت قطع الغيار نادرة أو باهظة، والمنتج الجديد أرخص وأسهل. وتشير دراسات حول اقتصاد الاستهلاك إلى أن هذا التحول لم يغير سلوك السوق فقط، بل أعاد تشكيل توقعات الناس أنفسهم، فلم يعودوا ينتظرون من الأشياء أن تعيش طويلاً.

 

الثبات الذي لا نعرف كيف نتعامل معه

لست هنا بصدد إدانة الاستهلاك، ولا الانضمام إلى خطابات "الملل من الكماليات"، بل في محاولة لفهم شعور أعمق، لماذا أصبح استمرار الأشياء يزعجنا؟ كل مصباح وكل قطعة أثاث وكل جهاز يبقى معنا أعواماً طويلة أصبح يذكرنا بصمت ببطء الحياة، وبالتزامنا غير المعلن تجاه ما نمتلك.

تشير دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا عام 2012 تحت إشراف العالمة النفسية ساندي غوسلينغ إلى أن البشر يشعرون بالقلق الخفي أمام الأشياء المستمرة، إذ يربط الدماغ بين الثبات والمسؤولية، مما يولد شعوراً بعدم الراحة، حتى لو لم يكُن هناك عطل أو خلل فعلي.
وحين تتوقف الأشياء عن مغادرة حياتنا، نرى أنفسنا أمام مرآة لا ترحم، نحن الذين نتغير بسرعة ونبحث عن الأمان ونفر منه في الوقت نفسه. الأثاث القديم الذي كان يعجبنا، يبدل مزاجنا اليوم، والمصباح الذي يضيء بلا توقف يذكرنا بأن بعض الأمور لا تنكسر بسهولة، بينما نحن في عالم سريع اعتدنا فيه على الانتهاء المبكر لكل شيء. وتصبح العلاقة مع الأشياء القديمة أشبه بالعلاقة مع المدن أو الوظائف أو حتى العلاقات العاطفية، تتطلب صبراً ووفاء، بينما نحن في عجلة من أمرنا.

وما يعزز هذه المفارقة أن التاريخ يزخر بأمثلة مضادة لتوجهنا الحالي، البيوت المبنية منذ قرون ولا تزال صامدة، والأدوات التي يتم إصلاحها وليس استبدالها، والأثاث المصنوع بعناية ليخدم أكثر من جيل واحد. وتشير دراسة في تاريخ التصميم الصناعي أجراها الباحثان كروس ووالتون عام 2015 إلى أنه ما قبل ثقافة "الاستهلاك السريع" كانت المتانة هي القاعدة، وأن الأشياء كانت تُصنع لتعيش طويلاً، ليس فقط للربح بل لأنها امتداد طبيعي للحياة اليومية.

اليوم، يبدو كل هذا غريباً، فنحن نتعامل مع المنتجات وكأن عمرها محدد مسبقاً، وكأن التغيير جزء من قوانين الطبيعة، بينما في الواقع، لا تزال الأدوات القديمة تثبت أن البقاء ممكن.

حتى الشركات تعلّمنا القبول بهذا الواقع منذ البداية، إذ تبدو الكفالات التي تمنحها للمنتجات وعوداً بالضمان، لكنها في الواقع حدود ضمنية لعمر المنتج، السيارات عادة خمسة أعوام، والأدوات المنزلية ما بين سنة وثلاث سنوات، والأجهزة الإلكترونية غالباً سنة واحدة فقط. ومن اللحظة الأولى، يبلغ المستهلك بألا يتوقع أكثر من هذه المدة، وكأن النظام نفسه يرسخ فكرة أن الأشياء موقتة وأن المتانة الطويلة لم تعُد جزءاً من صفات المنتجات.

 

هل نغير الأشياء… أم نهرب من أنفسنا؟

حين نفكر في تلك الأشياء التي لم تتحرك منذ عقود، ولا تزال تذكرنا بصمودها ببطء الحياة كتلك الخزانة في بيت جدي، كم نتمنى أن نغيرها أو نغطيها بغلاف جديد، كما نفعل أحياناً مع أنفسنا.
كل شيء حولنا يتحرك بسرعة، الموضة والألوان، حتى أشكال البيوت والأثاث لا تستقر على حال. وفي مرحلة ما بدا أن كل البيوت تتشابه بأثاث أبيض تقليلي، كأن البساطة هي القاعدة، ثم فجأة صار الأسود عنوان الأناقة، وشيء من الذهب القديم يعود ليضيء الغرف، متحدياً فكرة أنه تعبير منتهي الصلاحية عن الترف. وكل موجة من هذه الموجات تعيد إحياء الرغبة في الجديد، وتجبرنا على إعادة النظر في الأشياء التي نملكها، وتجعل من المتانة تحدياً نفسياً بدلاً من تقديم خدمة مريحة.

كذلك تقوم وسائل التواصل الاجتماعي بدور كبير في هذا التغيير، الصور المتدفقة والحسابات المليئة بالأفكار والحملات التي تروج لكل جديد… تجعلنا نتوقع أن العالم كله في حركة مستمرة، وأن البقاء على القديم هو نوع من التخلف أو الاستسلام لواقع ممل. وربما وسط هذه الحيرة يكمن سؤال أكثر عمقاً، هل نكره دوام الأشياء لأنها تتحدانا، أم لأنها ترينا جانباً من أنفسنا لا نريد مواجهته؟