قناة عشتار الفضائية
 

تعاليم المجمع الفاتيكاني الثاني بشأن نبذ الحرب ومعاداة السامية ما تزال آنية اليوم

 

عشتارتيفي كوم- فاتيكان نيوز/

 

9 شباط فبراير 2026

 

على الرغم من مرور أكثر من ستين عاما على اختتام أعمال المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني ما تزال التعاليم التي تركها آباء المجمع بشأن الحروب ومعاداة السامية آنية لغاية يومنا هذا، خصوصا في عالم يعاني من الحروب والتوترات، لاسيما في أوكرانيا ومنطقة الشرق الأوسط.

 

النصوص المجمعية تتضمن تأملات نيّرة بشأن مآسي الصراعات المسلحة. فقد أدان المجمع الحرب باعتبارها أنها لا إنسانية. وقد جاء الدستور الرعوي "فرح ورجاء" ليؤكد أن الحروب التي شهدها العالم ولدت أضرارا مادية جسيمة، وقد تركت تأثيرات سلبية في مناطق عدة من الأرض. ولفت الدستور إلى أن الأسلحة باتت أكثر فتكاً من الماضي، ومع ذلك يبدو أن البشرية لا تريد التخلي عن الحروب، التي يمكن أن تدوم لسنوات طويلة.

وتحدثت الوثيقة المجمعية عن ضرورة أن توضع حدود لا يمكن تخطيها خلال مآسي الحرب، مؤكدة أن قدرات الأسلحة لا يمكن أن تبرر استخدامها، أكان من وجهة النظر العسكرية أم السياسية. كما أن تصرفات طرف معين في الصراع لا تستطيع أن تبرر تصرفات عنيفة وهمجية من الأطراف الأخرى. ومن بين الوسائل الكفيلة في إبعاد شبح الحروب، اقترح آباء المجمع اللجوء إلى الصلاة، خصوصا على نية الأقوياء طالبين من الله أن يمنحهم القوة اللازمة من أجل تعزيز الوفاق بين البشر، ما يشكل ركيزة لبناء السلام.

فيما يتعلق بالصراع الدائر في الشرق الأوسط، عبر آباء المجمع عن قلقهم حيال ما يجري في المنطقة، مطالبين بتوفير الحماية للمواقع المقدسة، فضلا عن ضمان أمن وسلامة الجماعة المسيحية المحلية، مع العلم أن هناك العديد من المسيحيين الفلسطينيين الذين فقدوا أراضيهم خلال حرب العام ١٩٤٨ أسوة بالفلسطينيين المسلمين.

وعندما قام البابا بولس السادس بزيارته التاريخية إلى الأرض المقدسة في العام ١٩٦٤ التقى بالسلطات الإسرائيلية والأردنية، ولم يأت على ذكر دولة إسرائيل أو دولة فلسطين في خطابه. لكن المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني افتتح حقبة جديدة من الحوار مع اليهود، وذلك من خلال الإعلان المجمعي "في عصرنا"، الذي أكد أن الكنيسة تشجب وتدين، بدافع المحبة الإنجيلية، كل شكل من أشكال الحقد والاضطهاد ومعاداة السامية التي تعرض ويتعرض لها الشعب اليهودي، في كل زمان ومكان.

وليس من قبيل الصدفة أن شاء آباء المجمع استخدام عبارة "أخوة"، في سياق الحديث عن علاقة الكنيسة الكاثوليكية مع أتباع الديانات غير المسيحية. وكتبوا أننا لا نستطيع أن نتضرع لله، كأب لجميع البشر، إذا ما رفضنا التصرف كأخوة مع بعضنا البعض، أي مع كل إنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، وشددوا على أن موقف الإنسان من الله الآب ومن باقي البشر كأخوة له، يتأصل في الكتاب المقدس الذي يقول إن من لا يُحب لا يعرف الله.

كما سلطت وثيقة "في عصرنا" الضوء على ضرورة أن يتعاون المسيحيون مع جميع الأشخاص الساعين إلى إرساء أسس السلام في العالم. وأكدت أن الكنيسة الكاثوليكية تنبذ كل تمييز واضطهاد يمارس بسبب العرق واللون والمكانة الاجتماعية والانتماء الديني، لأن تلك الممارسات تتعارض مع مشيئة السيد المسيح. كما أن القديسين بطرس وبولس يطلبان من أتباع الرب أن يحافظوا على سلوك معصوم وسط الآخرين، وأن يعيشوا بسلام مع جميع البشر، إذا كان ذلك باستطاعتهم.

مما لا شك فيه أن عبارات المجمع الفاتيكاني الثاني، ومع أنها أبصرت النور في سياق تاريخي مختلف عن سياقنا الراهن، ما تزال تحتفظ بطابعها النبوي. فقد أدان آباء المجمع الصراعات والحروب، مطالبين في الوقت نفسه بالتصدي لكل شكل من أشكال الحقد والتمييز. واعتبروا أن درب الأخوة الكونية كانت وتبقى الدرب الوحيدة التي يمكن أن تقود إلى سلام أصيل ودائم. وإزاء العنف والانقسامات التي نشهدها اليوم يدعونا المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني إلى إعادة اكتشاف الحوار والمسؤولية الخلقية، والصلاة، ويحثنا بالتالي على عدم الاستسلام لمنطق الحرب.