عشتار تيفي كوم/
تقرير: رائد ننوايا
مقدمة: ألقوش عتقتا.. حيث الصخر يحكي قصة البقاء
"هنا، في أحضان جبل القوش الأشم، لا يمر الوقت كما يمر في المدن الأخرى؛ هنا يتوقف الزمان احترماً للتاريخ. ألقوش عتقتا ليست مجرد أزقة ضيقة وبيوتٍ طينية عتيقة، بل هي سفرٌ من الصمود خُطَّ بجبين الآباء والأجداد، وجذورٌ ضاربة في عمق الأرض تحكي قصة شعبٍ آمن بأن البقاء يبدأ من الحفاظ على الهوية.
بين جنباتها، تتنفس الحجارة عبق الماضي، وفي صمت بيوتها المهجورة صدى صلواتٍ وترانيم لم تخفت يوماً. أنظروا كيف يرتفع الجبل شاهداً، وتحت ظلاله تتكئ البيوت الحجرية العريقة ، تدعوك لتخطو إلى زمن آخر، حيث تتلقي الحجارة بقداسة الصليب ، ويُروى تاريخ هذه البلدة العتيقة في كل شعاع ضوء يلامس جدرانها.
نأخذكم في هذا التقرير في رحلة بين معالم 'ألقوش القديمة'، لنستحضر الروح التي سكنت هذه الجدران، ونعيد قراءة الفصول المنسية من حياةٍ كانت مفعمة بالإيمان، والكد، والأصالة، مؤكدين أن من يمتلك مثل هذا الإرث، لا يمكن لغبار النسيان أن يطمسه."
بين أزقتها الضيقة التي تفوح برائحة التاريخ، وعلى سفوح جبلها الشامخ، تعود "ألقوش عتقتا" لتولد من جديد كلوحة فنية تنبض بالحياة. وخلف هذا المشهد الجمالي، تبرز بصمة فنانٍ عشق تراب بلدته وقرر أن يحول الحجر الأصم إلى قصائد مرئية؛ إنه الفنان داني اسمرو، الذي لم يتوقف عند حدود الحلم، بل بدأ بتحويله إلى واقع ملموس.
شغفٌ يتجاوز الترميم
بالنسبة لداني اسمرو، "ألقوش عتقتا" ليست مجرد إرثٍ قديم، بل هي الهوية التي يجب أن تُصان بأجمل حُلّة. لم يكتفِ داني بالنظر إلى التاريخ، بل انطلق برغبة شديدة لتجميل المنطقة القديمة وإعادة بريقها الذي تستحقه، حيث قام بسلسلة من عمليات الترميم والتعديلات الدقيقة التي لم تكن مجرد إصلاحات إنشائية، بل كانت "إعادة صياغة فنية" لروح المكان وتأهيل الموقع سياحياً وتاريخياً.
إعمار يمتد للبنية التحتية
وضمن هذا العمل المستمر والمتواصل، انتقل الطموح من ترميم الجدران إلى تطوير المداخل؛ حيث سيتم البدء بمشروع تبليط الطريق المؤدي إلى قرية ألقوش عتقتا. وتأتي هذه الخطوة النوعية بمنحة من مديرة ناحية ألقوش، وهي مبادرة ممتازة تهدف إلى تسهيل وصول الزوار والمحبين إلى هذا الصرح التاريخي، وتعكس تضافر الجهود الإدارية مع الرؤية الفنية لتطوير المنطقة.
الفن في خدمة العمارة: مشروع القلعة
ما يميز عمل داني هو المزج بين "البناء" و"الفن"؛ فهو لا يبني جداراً ليسد فراغاً، بل يصمم قطعة فنية تندمج مع روح المكان. وفي هذا السياق، يجري العمل حالياً على تصميم القلعة في "ألقوش عتقتا"، لتكون معلماً يجسد شموخ القرية. إن اهتمامه الدقيق بالتفاصيل، واختياره للمواد التي تحاكي أصالة ألقوش، جعل من تدخلاته المعمارية بصمة خاصة، حيث يتم الحفاظ على الأحجار التي يعود عمرها لأكثر من مئة عام، مما يكرس القرية كوجهة تراثية فريدة بأحجارها وتفاصيلها العريقة.إن "ألقوش عتقتا" اليوم، وبفضل هذه الجهود المتواصلة، لم تعد مجرد أطلال من الماضي، بل أصبحت شاهداً حياً يمتزج فيه الفن بالإعمار، ليبقى عبق المئة عام محفوراً في ذاكرة الأجيال القادمة.
رؤية تجميلية لبلدة عريقة
تتجلى رؤية داني في تحويل "ألقوش عتقتا" التراثية إلى وجهة سياحية ونقاط جذب بصرية تأسر الأنظار، لتكون إرثاً حياً تتحدث عنه الأجيال. إن رغبته الشديدة في التجميل تمتد لتشمل لمسات فنية ذكية تبرز الزخارف الألقوشية الأصيلة. إن عمله اليوم هو بمثابة "رسالة حب" لبلدته، وتأكيد على أن الفن هو الأداة الأقوى للحفاظ على التراث من النسيان.
الحلم الذي أصبح حقيقة
ما كان يوماً مجرد "رؤية" أو حلم نوّه عنه داني في أحاديثه، يتحقق اليوم على أرض الواقع. فبفضل إصراره، وبالتوازي مع الدعم الحكومي في توفير الخدمات الأساسية كالطرق، بدأت الملامح الجمالية تظهر في زوايا عتقتا، لتعلن عن ولادة عصر جديد من الجمال التراثي.
استمرارية نابعة من المحبة
إن رحلة داني اسمرو مع ألقوش لا تنتهي عند مشروع واحد، بل هو مستمر في هذا التحقيق، مدفوعاً بمحبةٍ لا تنضب. يرى داني أن كل حجر يرممه، وكل طريق يُعبد نحو هذه القرية، هو خطوة نحو الصورة المثالية التي رسمها لبلدته، وهو عهد قطعه على نفسه بأن تبقى "عتقتا" أيقونة فنية شامخة.
خاتمة: يدٌ تبني.. وروحٌ تُبدع
إن ما يقوم به الفنان داني اسمرو هو استثمار في الجمال والقيمة. بفضله، وبفضل الالتزام بالتطوير المستمر، أصبحت الجدران تحكي قصصاً بفخر. هو نموذج للفنان الذي يسخر شغفه لخدمة وطنه وبلدته، ليثبت أن الحلم عندما يقترن بالإخلاص يصبح حقيقة يراها الجميع، وليؤكد للعالم أن ألقوش، وبرغم تقادم السنين، ستبقى دائماً "أيقونة" فنية بامتياز.
|