استقبل قداسة البابا لاوُن الرابع عشر ظهر السبت في قاعة كليمينتينا بالفاتيكان أعضاء الاتحاد الوطني لجمعيات الـ Misericordie في إيطاليا وللمناسبة وجّه الأب الأقدس كلمة رحّب بها بضيوفه وقال إن لجمعيات الـ Misericordie تاريخاً يمتد لقرون، يجد جذوره في العصور الوسطى، ويجسد ثلاثة أبعاد مهمة للحياة العلمانية المسيحية: الروحانية، والمحبّة، والاهتمام باحتياجات اليوم.
تابع الحبر الأعظم يقول أولاً: الروحانية منذ بداياته، استمد واقعكم كجمعيّة القوة والإلهام أساساً من حياة الإيمان والممارسة الأسرارية لأعضائها. هكذا كان الأمر عندما قرر بعض المؤمنين العلمانيين في فلورنسا القرن الثالث عشر، وفي ظل أجواء الحروب والصراعات الداخلية بين الجماعات المدنية والكنسية، وبفضل عمل شخصيات منيرة مثل القديس بطرس الشهيد وبييرو دي لوكا بورسي، أن يسلكوا طريقاً مختلفاً من التقوى والخدمة. إن مثالهم، وربما بسبب بساطته الصادقة، سرعان ما انتقل إلى الكثيرين، في شبه الجزيرة الإيطالية أولاً ثم في دول أخرى، وصولاً إلى البرتغال ومنها إلى الأمريكتين.
أضاف الأب الأقدس يقول إن البذرة التي نبتت منها ونمت هذه الشجرة الكبيرة التي تنتمون إليها هي بذرة ذات طبيعة أسرارية – تقوم على المعمودية – وبالتالي فهي أخلاقية وتقشُّفيّة. وهذا يفرض عليكم واجباً، لكي تستمر النبتة في النمو، وهو أن تعززوا أولاً بالتزام كبير التنشئة المسيحية للأعضاء، من خلال الصلاة، والتعليم الديني، والأمانة للأسرار المقدسة – ولاسيما قداس الأحد والاعتراف – والاستقامة الأخلاقية في الاختيارات وأنماط الحياة، وفقاً لقيم الإنجيل وتقاليد الجمعيّة التي تشهد عليها قوانينكم الأساسية. لقد ذكّر القديس يوحنا بولس الثاني أعضاء اتحادكم بذلك قائلاً: "من خلال التردد المستمر على الأسرار، ستصبحون شهوداً فرحين لحياة مسيحية حقيقية، وستُعضدون في الخطوات التي تتبع رب الحياة، الذي يريد من خلالكم أن يكشف لعالم اليوم، لإنسان هذا العصر المذهل والقلق، وجه الله الحقيقي، "الغني بالرحمة".
تابع الحبر الأعظم يقول وفي هذا السياق، تبرز أهمية إدخال شخصية "حراس الرحمة" بينكم، وهم علمانيون يحركون علمانيين؛ وكذلك تسمية "المصلحين" التي تطلقونها على المرشدين الروحيين، والذين لا يُنظر إليهم كمرشدين خارجيين عن الجماعة، بل كـ "مدراء مشاركين" ومعاونين وميسّرين ورفاق درب، تُمارَس خدمتهم وتُقبل في جو من المسؤولية المشتركة والانتماء العاطفي والشركة، يكون فيه الجميع روادًا في جهد مشترك للنمو في الكمال المسيحي.
أضاف الأب الأقدس يقول ونصل إلى البعد الثاني: المحبة. يشهد تاريخكم أن حياة الإيمان الحقيقية لا يمكن أن تقتصر على روحانية مجردة، بل تفيض بالضرورة في الحساسية تجاه احتياجات الآخرين وفي الخدمة السخية بلا حدود. أفكر في العديد من إخوتكم وأخواتكم الذين دفعوا من دمهم، وبثمن غالٍ، ثمن الأمانة للمهمة الموكلة إليهم: فلهم منا كل الشكر والصلوات.
تابع الحبر الأعظم يقول حيثما توجد حاجة، تتواجد جمعيات الـ Misericordie في حالات الطوارئ الاستثنائية، في مناطق الحروب، كما في آلاف الخدمات الخفية للتضامن اليومي، "للشهادة – كما قال البابا فرنسيس – لإنجيل المحبة بين المرضى والمسنين وذوي الإعاقة والقاصرين والمهاجرين والفقراء". من خلال مراكز "le Case del Noi"، والمتاجر التضامنية، وبنوك الطعام، والمساعدة المنزلية، وخدمات الاصغاء والمرافقة، تبنون مع الأشخاص علاقات ثقة ومسارات لإعادة الإدماج الاجتماعي، تتجاوز مجرد تقديم الخدمات، مهما كانت مؤهلة. أنتم لا تكتفون بـ "القيام بالعمل لأجلهم"، بل تلتزمون بـ "السير معهم"، معترفين في الآخرين بإخوة وأخوات، لكل منهم كرامته وقصته، تلتقون بهم بامتنان للعطاء المتبادل وتسيرون معهم معاً على درب القداسة.
أضاف الأب الأقدس يقول هناك جانب أخير نتوقف عنده: وهو الاهتمام باحتياجات اليوم، والذي يميزكم أيضاً. فبفضل أساس روحي وجماعي متين والغيرة على خير القريب، لقد كانت جمعيات الـ Misericordie لقرون شاهدة على القدرة على التكيف والتحديث، مظهرة أن العمل "معاً" والعمل "من أجل الحب" يساعد أيضاً على التصرف بحرية وإبداع. ومن دلائل ذلك الأنشطة المتعددة والمتنوعة التي تبنيتموها على مر مئات السنين حسب احتياجات القريب؛ وكذلك وجود مجموعة الـ Fratresفي هذه القاعة، الذين ولدوا في أوقات حديثة لتعزيز ثقافة العطاء من خلال التبرع بالدم والأعضاء والأنسجة؛ وأيضاً جمعيّة "Piccola misericordia"، التي يتعلم فيها الأطفال عيش المحبة منذ الصغر.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر كلمته بالقول أيها الأعزاء والعزيزات، أشجعكم على الاستمرار في التزامكم، كجماعة تعيش الإيمان بعمق وتمارس المحبة. اطمحوا إلى النمو في الروح والخدمة بفرح وبساطة، بعيداً عن أي منطق للقوة، مكرسين لتسبيح الله ولخير الذين يضعهم الرب في طريقكم. كونوا دائماً رسلاً للرجاء والمحبة والسلام، كما ترمز "أيقونة اليوبيل" التي زارت جماعات عديدة في مسيرة طويلة، وهي الآن تُسلم إلى الإخوة والأخوات في أوكرانيا. أشكركم على ما تقومون به، وأذكركم في صلاتي، ومن كل قلبي أمنحكم وأمنح عائلاتكم فيض البركة الرسولية.