قناة عشتار الفضائية
 

كيف يُواجه مسيحيّو العراق وسوريا ولبنان تفاقم الأزمة الاقتصاديّة؟

 

عشتار تيفي كوم - آسي مينا/

بقلم : جورجينا بهنام حبابه

ما انفكّت منطقة الشرق الأوسط ملتهبةً منذ عقود، لكنّ سعيرها راح يتصاعد في الآونة الأخيرة، مخلِّفًا أزماتٍ لا تمسّ أمن مواطنيها وسلامهم فحسب، بل رزقهم ولقمة عيشهم أيضًا.

بحثت «آسي مينا» في تداعيات تشابك الصراعات الإقليميّة وتفاقم الأزمات الاقتصاديّة إثرها، في حوارها مع أكاديميّين من العراق وسوريا ولبنان تناولوا تأثيرها المباشر في مسيحيّي بلدانهم.

العراق: تمييز وتهميش

ربط د. عزيز الزيباري، الأكاديميّ والناشط المدنيّ العراقيّ تردّي أوضاع مسيحيّي بلاده الاقتصاديّة بمعاناتهم التمييز وتهميش تمثيلهم كمكوّن في السلطات التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة منذ العام 2003، وإهمال سياسات الدولة الاقتصاديّة وجودَهم وتشغيل قواهم العاملة. ونبَّه إلى ارتباط ارتفاع سعر الغذاء والدواء والوقود بارتفاع سعر الصرف في العراق، «فأغلب الأساسيّات مستورد أو مُسَعَّر بالدولار. وفي مقابل ثبات الأجور، تتراجع القدرة الشرائيّة وتضطرّ العائلة إلى تقليص الإنفاق على الطعام والصحّة والتعليم».

وأوضح أنّ عدم استقرار سعر الصرف يضع المكوّنات الدينيّة والعرقيّة، لا سيّما المسيحيّين، أمام تحدّيات معيشية تهدّد استقرار أُسَرهم وتقلِّل فرص العمل المتاحة، وبخاصّةٍ في المناطق التي بدأت بالكاد تتعافى من الآثار الكارثيّة لاجتياح داعش الإرهابيّ». إزاء معاناة شعوب الشرق الأوسط داء الهجرة نتيجة النزاعات الداخليّة والإقليميّة، يجد الزيباري وَقْعَها على مسيحيّي العراق أشدّ وأمَرّ، «وتشكّل اليوم الخطر الحقيقيّ الأكبر المهدِّد باندثار وجودهم في أرض آبائهم وأجدادهم». 

وعزا دورًا حاسمًا إلى العامل الاقتصاديّ في استشرائها لا يقلّ تأثيره عن الاضطهاد الدينيّ والعرقيّ الممنهج، إذ تُشكِّل أيّ أزمة اقتصاديّة عاملًا طارِدًا ومشجِّعًا للمسيحيّين على الهجرة. «فمداخيل غالبيّتهم ثابتة، من وظائف حكوميّة أو أهليّة، أو من عوائد أعمالهم الحِرَفيّة والخدميّة أو إدارتهم مشاريع صغيرة، فضلًا عن العمّال والكسَبة بأجرٍ يوميّ».

سوريا: حرب لقمة العيش 

رأى الأكاديميّ السوريّ د. حليم أسمر أنّ حرب لقمة العيش لا تستهدف مسيحيّي بلاده وحدَهم، بل ينعكس انقلاب الاقتصاد من زراعيّ يكفل أمنًا غذائيًّا وأرضيّةً للصناعات التحويليّة واكتفاءً ذاتيًّا في قطاعات عديدة، بسبب تدمير أراضٍ زراعيّة شاسعة ومصانع عدّة إبّان الأحداث، سلبًا على الوضع المعيشيّ للسوريّين جميعًا، مُخَلِّفًا خيبة أمل.

وأشار إلى تأثير سعر صرف الدولار في الحياة اليوميّة، وبخاصّةٍ رواتب الطبقة المتوسّطة، عماد أيّ مجتمع وأساس استقراره، «وإن كانت اليوم مقبولة مقارنةً بالسنوات الماضية، حين كان راتب الأستاذ الجامعيّ لا يتجاوز 50 دولارًا. ويبدو تغيير الأوراق النقديّة، أخيرًا، مؤشِّرًا جيّدًا وخطوةً إيجابيّة في طريق تحسّن الاقتصاد». 

ووفق حليم، فالسوريّون عمومًا والمسيحيّون خصوصًا، يُحبّون بلدهم، ولا يحبّذون الهجرة إلّا لضرورات البقاء، «ويلجأ كثيرون إلى الهجرة الداخليّة، فعودتهم ممكنة وأيسر من عودة المغتربين الذين تخسر البلاد بهجرتهم عقولًا تشكِّل مشاريع تنمية مستدامة مستقبليّة». ويطرح مفهومًا مغايرًا يرى التمسّك بالوطن نسبيًّا، «فهناك مهاجرون يضعون وطنهم نصب أعينهم أينما حلّوا، ويمكن أن يفتح التواصل مع العقول المهاجرة أبوابًا لمعالجة الأزمة بالاستفادة من خبراتها المكتسبة في العمارة والبناء والتكنولوجيا، ما يُسهِم في استقرار الأوضاع ويجعل العودة ممكنة».

لبنان المختلف 

 

يبدو الأمر مختلفًا قليلًا في لبنان. ويجد الأكاديميّ اللبنانيّ د. لويس حبيقة جميع اللبنانيّين متأثّرين بالأزمة الاقتصاديّة بالقوّة نفسها «فالفارق في بلدنا لا يُشكِّله اختلاف الديانة، بل المنطقة. والمواطن في الجنوب، سواء أكان مسيحيًّا أم مسلمًا، يتأثّر بالأزمة الاقتصاديّة بشكلٍ أعمق من نظيره في الشمال. وهكذا أيضًا بالنسبة إلى الأوضاع السياسيّة والعسكريّة المحيطة».

أسباب الهجرة هي الأخرى مغايرة تمامًا، فطريقة تفكير العائلة اللبنانيّة المسيحيّة وتنشئتها أولادها تجعل معاناتها مختلفة، لناحية التعليم والعلاقات. التربية والتعليم يشكّلان أولويّة، وسقف الطموح فيهما عالٍ، ما يجعل معاناة المسيحيّ نتيجة الضائقة الماليّة مساوية لمعاناة الآخر إن لم تَفقها، بحسب حبيقة. وشرح: «يعدّ هذا الطموح ضارًّا أحيانًا، فبعض العائلات المسيحيّة تشجّع أولادها على مغادرة الوطن تلبيةً لهذا الطموح العالي، في مقابل تحمّل سواها مصاعب ومصائب أكبر، من دون التفكير في الهجرة».  

من جانبٍ آخر، قد يُشكِّل رفد المغتربين المسيحيّين ذويهم في لبنان بالأموال، دعمًا لمقوّمات صمودهم وثباتهم في أرض الآباء، لكنّ حبيقة لا يجد الأمر مقتصرًا على المسيحيّين «فاللبنانيّون عمومًا، مسيحيّين ومسلمين، يتلقّون مساعداتٍ ماليّة من ذويهم في بلاد الاغتراب، ولعلّ الاختلاف يكون في جغرافيّة المصدر فقط، ما بين الأميركيّتَين وإفريقيا».