ويُفهم من هذا التعريف أنه يجب على الصائم أن ينقطع عن الطعام لفترة معينة، وهنا يتحدث المتنيّح البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية السابق، في دراسته "روحانية الصوم"، عن الانقطاع قائلاً: "لابد من فترة انقطاع، لأننا لو أكلنا من بدء اليوم دون انقطاع، لصرنا نباتيين وليس صائمين، وحتى الصوم في اللغة هو الامتناع أو الانقطاع، فلابد إذن أن نمتنع عن الطعام لفترة معينة".
كما يضيف حنا في دراسته أن الصوم "ليس مجرد حرمان من أطعمة معينة وإنما فيه عنصر الجوع، فـ(المسيح) عندما صام يقول عنه الكتاب (المقدس) إنه (جاع أخيراً) بحسب إنجيل متى 2:4، وبطرس الرسول يقول عنه في سفر أعمال الرسل 10:10 (فجاع كثيراً واشتهى أن يأكل)، وفي العهد القديم نجد أن موسى النبي عندما صام (لم يأكل خبزاً، ولم يشرب ماء) بحسب سفر (الخروج 28:34)".
وتُحدد فترة الانقطاع بحسب إرشاد أب الاعتراف في الكنيسة التابع لها المؤمن، والسبب في ذلك بحسب دراسة البابا شنودة الثالث "حتى لا يبالغ فيها البعض فتتعبهم جسدياً، وقد تتعبهم روحياً أيضاً إذ تجلب لهم أفكاراً من المجد الباطل"، ويضيف أن "البعض من الناحية الأخرى قد يتهاون بطريقة تفقده الصوم، والأفضل أن يشرف أب اعتراف على هذا الأمر".
وتُستثنى أيام السبت والأحد لجميع المؤمنين من الانقطاع، فمن الخطأ، بحسب دراسة حنا، "الانقطاع يوم الأحد عن الطعام لأنه يوم فرح نحتفل فيه أسبوعياً بقيامة السيد (المسيح) له المجد. لذلك يمكن الأكل عقب القداس مباشرة"، ويضيف أن "السبت الوحيد الذي ينقطع فيه الصائمون عن الطعام هو السبت الكبير قبل عيد القيامة مباشرة".
ورداً على سؤال لماذا لم تحدد الكنيسة القبطية فترة انقطاع موحّدة، يقول حنا في دراسته: "وجدت الكنيسة أنه ليس من الحكمة ولا العدل أن تحدد فترة انقطاع واحدة بالنسبة للجميع. ففي الواقع أن جميع الناس ليسوا متساوين في حالتهم، فمن حيث السن نجد ما يحتمله الشاب غير ما يحتمله الشيخ غير ما يحتمله الصبي، ومن حيث الصحة يحتمل الشخص القوي فترة انقطاع أطول من الفترة التي يتحملها الضعيف".
ويقول البابا شنودة الثالث في دراسته إنه "لاهتمام الكنيسة بالصوم الكبير جعلت له طقساً خاصاً. فله ألحان (قبطية) خاصة، وفترة انقطاع أكبر. وله قراءات خاصة، وطقس خاص في رفع بخور باكر، ومطانيات (سجود) خاصة في القداس ... يقال فيها بالقبطية (إكلينومين تاغوناطا – أي نحني ركبنا)، ولهذا يوجد للصوم الكبير قطمارس (كتاب قراءات كنسية) خاص. كما تُقرأ فيه قراءات من العهد القديم. وهكذا يكون له جو روحي خاص".
كما جعلت الكنيسة القبطية أسبوعاً تمهيدياً يسبقه، حتى لا يدخل الناس إلى الأربعين المقدسة مباشرة بدون استعداد، كما مهَّدت له الكنيسة أيضاً بصوم يونان (3 أيام)، أو "صوم نينوى"، قبله بأسبوعين، ويكون بنفس الطقس تقريباً وبنفس الألحان، حتى "ينتبه الناس لقدوم الصوم الكبير ويستعدون له بالتوبة التي هي جوهر صوم نينوى" بحسب دراسة البابا شنودة الثالث.
ويبرز سؤال لماذا الامتناع عن تناول الطعام الحيواني تحديداً خلال فترة الصوم دون الطعام النباتي؟
يجيب البابا شنودة الثالث في دراسته عن السؤال مشيراً إلى رد الإنسان إلى طبيعته الأولى النقية خلال فترة الصوم، ويلفت إلى أن الطعام النباتي في الصوم "نظام إلهي، وأنه الأصل في الطبيعة، إذ أن أبانا آدم كان نباتياً، وأمنا حواء كانت نباتية، وكذلك أولادهما إلى نوح".
ويضيف أن الله "خلق الإنسان نباتياً، فلم يكن آدم وحواء يأكلان في الجنة سوى النباتات: البقول والأثمار"، مستشهداً بما ورد في الكتاب المقدس في سفر التكوين (29:1) عندما قال الرب لآدم وحواء "إني قد أعطيتكم كل بقل يبزر بزراً على وجه كل الأرض، وكل شجر فيه ثمر شجر يبزر بزراً، لكم يكون طعاماً"، بل حتى الحيوانات إلى ذلك الحين، بحسب البابا شنودة مستشهداً بما ورد في الكتاب المقدس، كانت نباتية أيضاً، "ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء، وكل دابة على الأرض فيها نفس حية، أعطيت كل عشب أخضر طعاماً" (التكوين 30:1).
"آحاد الصوم الكبير في الطقس القبطي"
قسمت الكنيسة القبطية الصوم الكبير إلى سبعة أسابيع (بخلاف أسبوع الآلام) يبدأ كل أسبوع بيوم الإثنين وينتهي بيوم الأحد، وجعلت القراءة كلها خلال فترة الصوم تدور حول موضوع "الجهاد الروحي"، كما جعلت الكنيسة قراءة كل أسبوع تتناول موضوعاً واحداً تشكل جميعها سبع حلقات، وتقسم تلك الحلقات إلى حلقات أصغر يومية تُتلى كل منها في يوم من أيام الأسبوع السبعة.
ويقول الأنبا متاؤس، في دراسته "روحانية طقس القراءات في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية" تحت عنوان "قراءات الأيام في الصوم الكبير المقدس" إن الكنيسة "قسمت كل أسبوع إلى قسمين أولهما الأيام الخمسة التي تصام انقطاعياً، وثانيهما يومي السبت والأحد اللذان لا يصامان انقطاعياً لأنهما عيدان للرب".
ويضيف: "القراءات الموضوعة لكل من هذين القسمين وحدة قائمة بذاتها، فقراءات الأيام الخمسة تمثل الجهاد الروحي المطلوب وقراءات السبوت (أيام السبت) والآحاد (أيام الأحد) تمثل نعمة المخلص (المسيح) التي يفيضها على من يجاهد روحياً، وقراءات السبوت تابعة لقراءات الآحاد ومرتبطة بها".
وتتميّز آحاد الصوم بروحانية عميقة، وتشكّل في حد ذاتها ما يمكن أن نطلق عليه "محطات إنجيلية" متصلة تقود المؤمن في رحلة توبة وتجديد داخلي، فكل أحد يحمل اسماً خاصاً ورسالة خاصة، في الطقس القبطي، بدءاً من الدعوة إلى الجهاد الروحي في أحد الكنوز، مروراً بتطهير القلب في آحاد التجربة والابن الضال والسامرية والمخلّع وأحد التناصير أو الاستنارة (المولود أعمى)، وصولاً إلى إعلان النُصرة في أحد الشعانين الذي يدخل ضمن أسبوع الآلام ثم أحد القيامة.
وفيما يلي نبذة مختصرة عن هذه الآحاد وموضوعها بحسب الكنيسة القبطية:
هو الأحد الأول من آحاد الصوم الكبير، وفيه تضع الكنيسة أمام المؤمنين وصية المسيح عن "الكنز الحقيقي"، كما جاء في إنجيل القديس متى (6: 19-20) "لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ وحيث ينقب السارقون ويسرقون، بل اكنزوا لكم كنوزاً في السماء"، ويؤكد موضوع هذا الأحد على أهمية العطاء وعمل الرحمة ومساندة الفقراء.
سجل إنجيل القديس متى في الإصحاح الرابع أنه بعد أن صام المسيح أربعين يوماً انقطاعياً، جربه الشيطان بثلاث تجارب، لكنه (المسيح) انتصر عليه في كل مرة بقوة كلمة الله، قائلاً له بعد كل تجربة بحسب الترتيب: "مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله"، ثم "مكتوب أيضاً: لا تجرب الرب إلهك"، وفي التجربة الثالثة والأخيرة قال "اذهب يا شيطان! لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد"، وبناء عليه تركز الكنيسة في موضوع هذا الأحد على أن النصرة والغلبة ليست بالقوة البشرية، بل بالتمسك بكلمة الله.
يركز هذا الأحد على التوبة، مسلطاً الضوء على مَثَل "الابن الضال" الذي عاد إلى أبيه بعد غربة وجوع، فقبله الأب من جديد بفرح عظيم، في رمزية تشير إلى أن السماء تفرح بكل تائب يعود إلى الله من خطيئته، كما ورد عن المسيح في إنجيل القديس لوقا البشير (7:15) "أقول لكم: إنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى توبة".
في منتصف الصوم تقدم الكنيسة القبطية قصة "المرأة السامرية" وحوارها مع المسيح كما ورد في إنجيل القديس يوحنا الإصحاح الرابع، لتسلط الضوء على أن الخلاص متاح لجميع الناس، وأن كل إنسان له فرصة للتوبة والرجوع إلى الله والحصول على ما أطلق عليه المسيح "الماء الحي".
تركز الكنيسة القبطية في هذا الأحد على موضوع معجزة "شفاء مريض بيت حسدا" الذي كان مشلولاً طوال 38 عاماً، وعندما مر بجانبه المسيح سأله، بحسب ما سجله القديس يوحنا (6:5)، "أتريد ان تبرأ؟"، بعدها أمره المسيح قائلاً: "قم. احمل سريرك وامش"، فقام في الحال وتعافى، وتركز الكنيسة قي موضوع هذا الأحد على قوة كلمة المسيح القادرة على إقامة الإنسان من ضعفه وعجزه.
أحد التناصير أو الاستنارة
يرتبط موضوع هذا الأحد بمعجزة "شفاء المولود أعمى"، التي وردت في إنجيل القديس يوحنا الإصحاح التاسع، وفيها رد المسيح لرجل مولود أعمى بصره، وهي معجزة ترمز إلى ما يطلق عليه "الاستنارة الروحية" و"نور الإيمان".
هو الأحد الأخير خلال فترة الصوم الكبير قبل أحد القيامة وتركز فيه الكنيسة القبطية على موضوع دخول المسيح إلى أورشليم كملك تحقيقاً لنبوة وردت في سفر زكريا (9:9) "هوذا ملكك يأتي إليك، هو عادل ومنصور ووديع، وراكب على حمار وعلى جحش ابن اتان"، ويتميز هذا العيد بفرح خاص، إذ يحمل المؤمنون سعف النخيل وغصون الزيتون، كنوع من الاحتفال مثلما فعلت الجموع في أورشليم عند دخول المسيح المدينة، كما ورد في الإنجيل.
أحد القيامة
هو ختام رحلة الصوم الكبير، فيه تعلن الكنيسة "فرح القيامة" و"الحياة الجديدة"، وفي هذا اليوم، بحسب الإنجيل والإيمان المسيحي، ظهر المسيح لتلاميذه بعد قيامته مؤكداً "نصرة الحياة على الموت".
يظل الصوم الكبير بطقوسه وروحانياته أكثر من مجرد مناسبة دينية أو فترة موسمية للامتناع عن الطعام ومغريات الحياة، بل زمن مقدس عند الطوائف المسيحية تميزه روح التوبة الجماعية، الكل يسير على خطى صوم المسيح 40 يوماً في البريّة، بجذور تمتد إلى القرون الأولى، وهو ما دفع إلى حرص الكنائس، غرباً وشرقاً، على وضع طقوس وقراءات تقود المؤمنين في رحلة جهاد روحي بغية مراجعة القلب قبل الجسد، ومصالحة النفس وإعلان توبتها مع الله في صخب هذه الحياة.