عشتارتيفي كوم- اندبندنت/
حتى في خضم تطورات جيوسياسية خطرة قدمت كرة القدم الحديثة قدراً من العبث، ففيما استمرت الطائرات المسيرة والصواريخ في الانطلاق عبر الخليج، وبدأت عناوين التقارير تتناقل عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله خامنئي، كان الهرم الإداري للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يتلهف لمعرفة التفاصيل نظراً إلى التداعيات المحتملة على كأس العالم 2026.
غير أن ثمة مشكلة، فقد كان عليهم حضور بعض الإجراءات الرسمية في قلعة "هينسول" عقب الاجتماع السنوي العام الـ140 لمجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم.
كان معظم قادة (فيفا) هناك، بوجوه متجهمة وأعين مثبتة على هواتفهم، فيما واصل مغن أوبرا ويلزي أداءه، لا بد أنها كانت موسيقى تصويرية غريبة لتصفح الأخبار عن أزمة غير مسبوقة تتمثل في قصف دولة مضيفة لكأس العالم لدولة أحد المنتخبات المتأهلة، وذلك قبل أربعة أشهر فقط من انطلاق البطولة، وباتت مشاركة إيران نفسها الآن موضع شك.
توسع البطولة وقرارات مثيرة للجدل تزيد الضغوط
في الأثناء، لم يكن أمام (فيفا) سوى الجلوس في مكانه، ويمكن استحضار رمزية في ذلك، إذ بدا الهرم القيادي عالقاً، عاجزاً عن التحرك حتى في مواجهة أحد أخطر التحديات التي واجهها على الإطلاق، وقد تكررت تلك العبارة كثيراً خلال العام الماضي، وكلها تقريباً في سياق كأس العالم 2026.
ثمة ربما رمزية مشابهة في قرار (فيفا) توسيع البطولة إلى 48 منتخباً، فيما اختار الرئيس جياني إنفانتينو أن يلعب دور رجل الدولة المنتظم بفاعلية، في اللحظة ذاتها التي يتشظى فيها العالم بدرجة أشد من أي وقت مضى خلال عقود، لقد فتح الاتحاد الدولي الباب طوعاً أمام مشكلة تلو أخرى تلو أخرى.
ويمكن بهذا الوصف تلخيص كامل التحضيرات لكأس العالم 2026، مهما أبدى إنفانتينو إشراقاً وهو يتحدث عن مبيعات التذاكر، لقد كان كثير من ذلك غير مسبوق على الإطلاق، ويكفي تعداد القضايا الرئيسة حتى الآن.
أزمات سياسية وأمنية متلاحقة تضرب التحضيرات
لم تكن التصفيات قد بدأت فعلياً حين كان دونالد ترمب يهدد بشن حرب تجارية ضد الشريكين في الاستضافة، المكسيك وكندا، ثم تصاعدت خلال تلك الحملة ذاتها الضغوط لحظر إسرائيل، في معظمها بسبب غزة، وتحديداً على خلفية مخالفة نظام (فيفا) الأساس الذي يحظر على الأندية خوض مباريات على أراض محتلة.
وفي الأثناء، ظهرت مسألة أقل خطورة نسبياً لكنها مهمة من زاوية نزاهة المنافسة، تتعلق بقرار تقليص مباراتين من عقوبة إيقاف كريستيانو رونالدو كي يتمكن من اللعب في كأس العالم، قبل أن تتفاقم الأمور بصورة ملحوظة هذا العام.
في يناير (كانون الثاني) الماضي اضطرت دول أوروبية إلى مناقشة خطة مقاطعة محتملة بسبب موقف دونالد ترمب من غرينلاند، بعدما كانت أميركا قد نفذت عملية عسكرية في فنزويلا، في ثالث عمل عدائي على الإطلاق يصدر عن دولة مضيفة بعد نيلها شرف استضافة كأس العالم، أما الآن، فهذه هي المرة الرابعة.
وجاء فبراير (شباط) الماضي ليشهد عنف عصابات المخدرات في مدينة مستضيفة، هي غوادالاخارا، قبل أربعة أشهر فقط من البطولة.
أما مارس (آذار) الجاري، فقد يفرض اتخاذ قرار في شأن ما يجب فعله إزاء قصف الدولة المستضيفة أحد المنتخبات الـ48، مع مقتل رأس الدولة الفعلي.
وخلال أسبوع واحد وحسب، من المكسيك إلى إيران، برزت تحديات لم يسبق لأي كأس عالم أن واجهتها.
غياب خطط طوارئ واضحة داخل "فيفا"
وعلى رغم أن التعاطف عادة ما يكون حاضراً مع الهيئات الرياضية في مثل هذه الظروف، نظراً إلى كونها عرضة دوماً لتقلبات الجغرافيا السياسية، فإن المشكلة الخاصة بـ(فيفا) تكمن في الأزمات التي صنعها لنفسه في تعامله مع هذه التعقيدات.
فاحتمال هذه الحملة العسكرية كان معروفاً منذ أسابيع، ويمكن حتى القول إن ثمة طبقة إضافية في ذلك، تتمثل في مدى حرص إنفانتينو على إظهار قربه من ترمب.
وكما في كل القضايا السابقة لا يوفر (فيفا) في عهد إنفانتينو المنبر اللازم لنقاش معمق حول أي منها، وقد يقول مسؤولو (فيفا) إن هذا المنبر هو المجلس، لكن مصادر عدة تؤكد أن المجلس جرى تهميشه تماماً، بل إن عضواً رفيعاً أبلغ "اندبندنت" أنه حتى بعد ظهر أمس الأحد، لم يتلق المجلس أي مؤشر في شأن الخطوة التالية، وقد يحال الأمر إلى مكتب مجلس (فيفا)، الذي يضم الرئيس ورؤساء الاتحادات الستة.
وبطبيعة الحال، يبقى أي قرار نهائي لـ(فيفا) رهناً بتطورات وضع بهذه الخطورة، لكن ذلك يجعل إعداد خطط طوارئ مختلفة أكثر أهمية، ومع ذلك، قال مصدر رفيع "لا توجد قواعد ثابتة" لاستبدال منتخب في كأس العالم.
سيناريوهات الانسحاب والبدائل المحتملة
أما التعليق الرسمي الوحيد حتى الآن فجاء على لسان الأمين العام لـ(فيفا) ماتياس غرافستروم، الذي قال في ويلز إنهم "سيراقبون" الوضع، في تصريحات مفتوحة إلى أقصى حد، وقال "قرأت الأخبار هذا الصباح بالطريقة نفسها التي قرأتموها أنتم، كان لدينا اجتماع اليوم، ومن المبكر التعليق على ذلك بالتفصيل، لكن بالطبع سنراقب التطورات المتعلقة بكل القضايا حول العالم".
وقد قوبلت طلبات تم توجيهها إلى (فيفا) للحصول على تفاصيل في شأن الخطوة التالية بالاكتفاء بالإشارة إلى تصريح غرافستروم، وكان الموقف مشابهاً في المكسيك الأسبوع الماضي.
وأضاف مصدر آخر "من المبكر جداً قول أي شيء في شأن كل هذا"، لكن ذلك لا يعني أنه من المبكر البدء في التفكير، خصوصاً في أمر سيتطلب تفكيراً واضحاً وخريطة طريق.
ولم تقدم حتى توضيحات في شأن الآلية المحتملة إذا ما استدعى الأمر استبدال منتخب، وهو احتمال بات قائماً، وأشارت تقارير صادرة من إيران إلى أن الدولة قد تسحب المنتخب الوطني من كأس العالم بنفسها، وثمة أيضاً تساؤل حول ما إذا كان سيسمح للمنتخب بدخول البلاد، في ظل احتمالات عالية للتصعيد.
وقد كتب رئيس فريق عمل البيت الأبيض المعني بكأس العالم، أندرو جولياني، أول من أمس السبت "سنتعامل مع مباريات كرة القدم غداً، الليلة نحتفل بفرصتهم من أجل الحرية".
مرة أخرى، لم يسبق لكأس العالم أن واجهت مثل هذا الوضع.
وقد يقال إن رفض (فيفا) التعليق على كل ذلك يعكس قدراً من التحفظ الضروري في قصة دبلوماسية شائكة - خصوصاً أنها تنطوي في نهاية المطاف على ترمب - لكن السؤال يبقى قائماً حول ما إذا كان يملك القدرة على إدارة هذا الملف.
كثيراً ما بدا أن هذا المونديال يقترب كثيراً من حدوث خطأ ما منذ فترة، وذلك مع وجود أموال أكثر من أي وقت مضى - وكذلك سلطة إنفانتينو نفسها - على المحك، ومرة أخرى، تبدو "جائزة (فيفا) للسلام" مجرد نكتة سيئة.
يسود شعور لدى كثيرين بأن (فيفا) سيتبع النهج المعتاد في مثل هذه الأزمات، وينتظر ما ستؤول إليه الأمور،
وإذا ما انتهى الأمر بانسحاب إيران، فإن الإمارات - التي تواجه بدورها هجمات بطائرات مسيرة من إيران - تبدو خياراً بديهياً كبديل، باعتبارها المنتخب التالي في ترتيب مجموعة التصفيات.
وثمة عنصر آخر في هذه القصة يتمثل في أن كرة القدم قوة توحيد حقيقية في إيران، وقد يثبت تصويت الجالية الإيرانية/الفارسية في الخارج تأثيره هناك، وقد يحدث أيضاً تغيير في النظام، لكن الرهانات كبيرة.
كأس العالم، ومعه العالم، يواجهان أوقاتاً شديدة الغموض، ولا يمكن تحميل (فيفا) مسؤولية ذلك، حتى مع الأخذ في الاعتبار طموحات إنفانتينو الجيوسياسية، لكن يمكن مساءلته عن كيفية استجابته.
حتى الآن، ثمة فراغ، ولا توجد حتى تفاصيل عما يحدث إذا انسحب منتخب، هذا هو مستوى الأزمة، وهذا، حتى الآن هو مستوى الاستجابة.
|