عشتارتيفي كوم- رووداو/
منذ اتساع الحرب الإقليمية أواخر شباط، سعى إقليم كوردستان إلى تثبيت خطاب سياسي واضح مفاده أن الإقليم لن يكون طرفاً في الحرب، ولن يسمح باستخدام أراضيه منصةً للاعتداء على الجوار، وسيبقى عاملاً للأمن والاستقرار.
الدبلوماسية في المقام الأول
هذا الموقف لم يأتِ في بيان واحد فقط، بل تكرر في اتصالات رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني مع بغداد وطهران وباريس وأبوظبي، بالتوازي مع تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على أربيل ومحيطها، وما خلّفته من أضرار أمنية واقتصادية ومعيشية داخل الإقليم.
في مقدمة هذا الموقف، شدد رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، في اتصاله مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يوم 4 آذار، على أن الإقليم "لن يصبح طرفاً في الصراعات وسيبقى، كما كان دائماً، عاملاً للسلام"، مع تأييده الجهود الدبلوماسية لخفض التوتر وحماية شعوب المنطقة من أخطار الحرب. كما أعاد التذكير بأن أراضي الإقليم لن تكون مصدراً للتهديد ضد الجيران.
الرسالة نفسها حضرت في اتصال نيجيرفان بارزاني مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يوم 6 آذار.
ورفض الجانبان الهجمات التي استهدفت مدناً عراقية، بينها مدن في إقليم كوردستان، وشددا على أن الأراضي العراقية يجب ألا تُستخدم منطلقاً للاعتداء على الدول المجاورة، مع دعم كل الخطوات التي تعزز الأمن والاستقرار والسيادة الوطنية.
دبلوماسياً، لم يكتفِ رئيس الإقليم بإعلان الموقف، بل تحرك عبر اتصالات خارجية متتالية، ففي 4 آذار، أجرى اتصالاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي عبّر عن تضامن باريس مع أربيل "في مواجهة الهجمات التي تنفذها إيران وجماعات مسلحة مرتبطة بها"، كما اتفق الطرفان على البقاء في تنسيق وثيق بشأن التطورات.
وفي 6 آذار، تلقى بارزاني اتصالاً من رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وبحثا "التوترات الإقليمية الأخيرة والتداعيات الخطيرة للحرب"، مع تأكيد مشترك على استنفاد الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد وصون أمن المنطقة واستقرارها.
وقائع ميدانية
هذا الخطاب السياسي جاء فيما كانت الوقائع الميدانية تتجه في الاتجاه المعاكس. ففي 1 آذار تعرضت قاعدة حرير في أربيل، التي تستضيف قوات أميركية، لهجومين يشتبه بأنهما بطائرتين مسيّرتين، من دون تسجيل خسائر بشرية.
وفي اليوم نفسه، أعلنت وزارة شؤون البيشمركة أن اللواء الحادي عشر قرب ديگلة في محافظة أربيل تعرض لهجوم بطائرة مسيرة، ووصفت الهجوم بأنه محاولة لتعقيد الوضع وخلق مزيد من عدم الاستقرار، مطالبة بغداد بوضع حد لهذه "الانتهاكات والأعمال غير القانونية".
ومع دخول 2 آذار، أخذت الهجمات شكلاً أوسع داخل أربيل. حيث تم اعتراض عدة طائرات مسيرة مفخخة في أجواء المحافظة، وشملت الأهداف مطار أربيل الدولي، والقنصلية الأميركية، وقاعدة في بحركة.
وفي اليوم نفسه، ونقلاً عن وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، تعرضت أربيل إلى أكثر من 70 صاروخاً وطائرة مسيّرة، فيما استمرت موجات الهجوم وتسببت الشظايا المتساقطة بأضرار مادية داخل المدينة.
في 3 آذار كثفت إيران وحلفاءها في العراق هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ على جماعات كردية إيرانية معارضة متمركزة في إقليم كوردستان، وذكرت أن ثلاث طائرات مسيرة ضربت مخيم آزادي في قضاء كويسنجق (الذي تعرض إلى ثلاث استهدافات على الأقل خلال تسعة أيام من الحرب) ما أدى إلى إصابة شخص واحد، بينما تعرضت في اليوم السابق مواقع لحزب الحرية الكوردستاني في پردي/ألتون كوبري ومنطقة كوماسبان إلى هجمات أيضاً.
وفي 5 آذار بدا أثر الحرب على حياة السكان أكثر وضوحاً. فقد استيقظ سكان أربيل على أضرار لحقت بمنازلهم نتيجة بقايا المسيّرات والصواريخ التي جرى اعتراضها، بعد ليلة سُمعت فيها انفجارات عدة في سماء المدينة.
وأشارت إلى إصابة شخص بجروح طفيفة، فضلاً عن العثور على حطام في مناطق شرقي وشمالي أربيل.
وفي 7 آذار امتد المشهد إلى السليمانية أيضاً، حيث تم إسقاط طائرة مسيرة فوق المحافظة، فيما أعلنت جماعة " المقاومة الإسلامية" مسؤوليتها عن الهجوم وقالت إنه "جاء رداً على مقتل علي خامنئي" وعلى ضربات أوقعت قتلى من المقاتلين العراقيين.
التأثير الاقتصادي
اقتصادياً، لم تكن الحرب أقل وطأة. ففي 2 آذار أوقفت شركة غلف كيستون الإنتاج في حقل شيخان النفطي بسبب الهجمات الجوية المتواصلة. وفي 5 آذار استؤنفت صادرات نفط الإقليم عبر تركيا على أساس "محدود"، فيما أفاد لشبكة رووداو الإعلامية مصدر كبير في وزارة النفط العراقية طلب عدم الكشف عن اسمه، أن معظم الشركات النفطية أوقفت عملياتها في كوردستان بفعل اتساع النزاع الإقليمي. ثم أفادت الوزارة في 6 آذار بأن الإنتاج توقف في حقل سرسنك بمحافظة دهوك بعد هجوم بطائرة مسيرة، فيما دعت وزارةُ الثروات الطبيعية في إقليم كوردستان بغداد إلى منع مزيد من الهجمات على البنية الاقتصادية.
انتقال الحرب من السماء إلى موائد الناس
الانعكاس الاقتصادي لم يقف عند قطاع الطاقة. ففي 6 آذار نشرت شبكة رووداو الإعلامية تقريراً يفيد بأن أسعار الخضروات في الإقليم ارتفعت بنسبة وصلت إلى 100 بالمئة بسبب الحرب، مع ارتفاع أسعار الوقود بنحو 50 ديناراً للتر الواحد، وتراجع قيمة الدينار، وانخفاض التجارة اليومية مع إيران إلى النصف تقريباً بعد إغلاق المنافذ. وقدمت أمثلة مباشرة على صعود أسعار البطاطا والخيار والبصل والفلفل، مؤكدة أن جزءاً كبيراً من الارتفاع مرتبط بوقف تصدير المنتجات الإيرانية.
جوهر القصة الكوردستانية في هذه الحرب
خطاب إقليم كوردستان خلال الفترة من 28 شباط إلى 8 آذار قام على معادلة دقيقة سياسياً، الإقليم أثبت أنه ليس طرفاً في الحرب وأنه "عامل سلام لا مصدر تهديد" دبلوماسياً، دفع باتجاه خفض التصعيد عبر اتصالاته مع بغداد وطهران وباريس وأبوظبي، أمنياً، يواجه هجمات متكررة على أربيل والسليمانية ومواقع البيشمركة والمعارضة الكوردية الإيرانية، واقتصادياً ومعيشياً، يتحمل كلفة مباشرة ظهرت في النفط والتجارة والأسعار وحياة السكان اليومية. هذا التناقض بين خطاب التهدئة وواقع الاستهداف هو جوهر القصة الكوردستانية في هذه الحرب. |