عشتارتيفي كوم- arkeonews.net/
15 آذار 2026
وفقاً لبحث جديد أثار جدلاً بين المؤرخين وعلماء الآثار، ربما تكون منحوتة حجرية محطمة كانت معروضة يوماً ما في قصر الملك الآشوري سنحاريب قد حفظت أقدم تصوير معروف لمدينة أورشليم.
كانت هذه المنحوتة، التي زينت في الأصل غرفة العرش في قصر سنحاريب في نينوى القديمة بالقرب من مدينة الموصل الحالية في العراق، من بين آلاف القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن والتي دمرها مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في عام 2016. ومع ذلك، سمحت الصور الفوتوغرافية والرسومات والتوثيقات الأثرية السابقة للعلماء بإعادة مراجعة الصور واقتراح إعادة تفسير لافتة.
جادلت دراسة حديثة بأن المنحوتة قد تصور أورشليم خلال الحملة الآشورية عام 701 قبل الميلاد، مما قد يعود بالتاريخ الزمني لأقدم تمثيل بصري معروف للمدينة إلى أكثر من ألف عام إلى الوراء.
منحوتة مفقودة من غرفة عرش سنحاريب
قام سنحاريب، الذي حكم الإمبراطورية الآشورية الحديثة من 705 إلى 681 قبل الميلاد، بتكليف نحاتين بعمل منحوتات حجرية معقدة في جميع أنحاء مجمع قصره الواسع في نينوى. توضح هذه النقوش الحملات العسكرية عبر الشرق الأدنى وكانت بمثابة دعاية قوية تحتفل بهيمنة الإمبراطورية الآشورية.
احتوت غرفة عرش الملك وحدها ذات يوم على 33 لوحة منحوتة على الأقل تصور الانتصارات والحصارات في فينيقيا وفلسطين ومملكة يهوذا. تم التنقيب عن العديد من هذه المنحوتات من قبل علماء آثار بريطانيين خلال القرن التاسع عشر، ونُقل العديد منها إلى لندن حيث لا تزال ضمن مجموعات المتحف البريطاني، بما في ذلك المنحوتات الشهيرة التي تظهر تدمير مدينة "لخيش" اليهودية.
ومع ذلك، لم تنجُ جميع المنحوتات؛ فقد بقي بعضها في العراق، بما في ذلك منحوتة يعرفها العلماء باسم (28 (Slab أو "البلاطة 28". تم التغاضي عن هذه اللوحة إلى حد كبير لعقود من الزمن، ثم دُمرت في النهاية خلال حملة تنظيم الدولة الإسلامية للقضاء على التراث الثقافي القديم في شمال العراق. ومن المفارقات أن هذا الدمار دفع إلى تجديد التدقيق في الصور والرسومات الناجية لهذه البلاطة.
إعادة تفسير جذرية
يأتي التفسير الجديد من الباحث ستيفن كومبتون من جامعة جنوب أفريقيا، الذي أعاد فحص الصور التاريخية للمنحوتة قبل تدميرها. يجادل كومبتون بأن النقش لا يصور مدينة "إلتقيه" الفلسطينية، كما كان يُفترض منذ فترة طويلة، بل يمثل بدلاً من ذلك أورشليم خلال حصار سنحاريب في عام 701 قبل الميلاد.
إذا كان هذا صحيحاً، فسيجعل ذلك المنحوتة أقدم تمثيل بصري معروف لأورشليم، لتسبق "خريطة مأدبا" الشهيرة — وهي فسيفساء بيزنطية من القرن السادس في الأردن — بنحو 1200 عام.
وتدعم عدة ميزات في المنحوتة فرضية كومبتون؛ فعلى عكس مشاهد الحصار الآشورية المعتادة التي تظهر المدن وهي تُحرق وتُنهب، تظهر المدينة في "البلاطة 28" سليمة ومنظمة، محاطة بالجيش الآشوري ولكن لم يتم تدميرها. يتطابق هذا التفصيل بشكل وثيق مع الروايات التاريخية لحملة سنحاريب، حيث تسجل النقوش الآشورية أن الملك حاصر "حزقيا" ملك يهوذا داخل أورشليم لكنه لم يستولِ على المدينة نفسها. وفي السجلات الآشورية، تفاخر سنحاريب الشهير بأنه "حبس حزقيا في أورشليم مثل عصفور في قفص". كما تصف المصادر الكتابية (البيبلية) حصاراً انتهى في المطاف دون غزو أورشليم.
وفقاً لكومبتون، تتضمن المنحوتة أيضاً شخصية وحيدة تقف فوق مبنى، وتحمل ما يبدو أنه شعار ملكي — وهو رمز غالباً ما يرتبط بالملكية. ويقترح أن هذه الشخصية قد تمثل الملك حزقيا. ويشير كومبتون إلى وجود أبراج "كابولية" مميزة (corbelled towers)، وهي هياكل تبرز مستوياتها العليا إلى الخارج وراء قاعدتها. يظهر هذا التصميم غير العادي في عدد قليل فقط من المنحوتات الآشورية، بما في ذلك تلك التي تصور مدينة لخيش اليهودية.
شكوك العلماء
لا يزال الخبراء غير مقتنعين جميعاً بهذا التفسير. فقد رفض عالم الآشوريات البروفيسور دانيل كان من جامعة حيفا استنتاجات كومبتون، وجادل بأن المناظر الطبيعية الموضحة في المنحوتة تشبه السهول المنخفضة في "فلسطين القديمة"، وليس التضاريس الجبلية المحيطة بأورشليم. بدلاً من ذلك، يعتقد "كان" أن المنحوتة تمثل على الأرجح مدينة "عقرون". كما ذكر عالم الآشوريات الألماني ستيفان مول من جامعة هايدلبرغ أنه يجد الحجج التي تحدد المنحوتة على أنها أورشليم غير مقنعة.
يوضح هذا النقاش التحديات التي تواجه تفسير الفن القديم — خاصة عندما تكون القطعة الأثرية الأصلية قد دُمرت.
إعادة بناء ما دمره داعش
اليوم، يعمل علماء الآثار على إعادة بناء أجزاء من المنحوتات المدمرة من نينوى. ومنذ هزيمة قوات تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل عام 2017، تعمل فرق دولية بعناية على توثيق وحفظ ما تبقى من القصر. استعاد الباحثون آلاف الشظايا، ويؤمن علماء الآثار بأن هذا الجهد ضروري لضمان بقاء السجل التاريخي والحضارات التي صنعته.
سواء كانت "البلاطة 28" تصور أورشليم حقاً أم لا، فقد يظل الأمر دون حل لسنوات قادمة. ومع ذلك، يسلط الجدل الضوء على القيمة التاريخية الاستثنائية لمنحوتات القصور الآشورية التي تقدم لمحة نادرة عن كيفية رؤية الآشوريين أنفسهم لواحدة من أهم المدن في التاريخ القديم.
|