عشتار تيفي كوم - ابونا/
تقع بلدة عين إبل، المليئة بأسطح القرميد الأحمر والمحيطة ببساتين الزيتون، بين القرى المسيحية القليلة في قضاء بنت جبيل التي يرفض سكانها الإخلاء، مُصرّين على أنهم ليسوا طرفًا في الحرب الدائرة بين إسرائيل وحزب الله.
تقول إحدى السيدات البالغة من العمر 56 عامًا: «نعيش في خوف ورعب»، مشيرة إلى المواقع التي تقول إن حزب الله وإسرائيل يتبادلان منها إطلاق النار، مؤكدة أنه «رغم ذلك بقينا في البلدة».
وقُتل شادي عمّار، نجل سعاد جلاّد البالغ من العمر 22 عامًا، مع اثنين آخرين من سكان البلدة في ضربة بطائرة مسيّرة إسرائيلية الأسبوع الماضي، أثناء محاولتهم إصلاح اتصال الإنترنت على سطح أحد المنازل، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان.
وقالت والدته وهي تبكي داخل قاعة الكنيسة: «لم يكن يريد مغادرة البلدة. بقي هنا، لكنه الآن في المقبرة».
وانجرّ لبنان إلى حرب الشرق الأوسط في الثاني من آذار عندما شنّ حزب الله، المدعوم من طهران، هجومًا على إسرائيل ردًا على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في ضربات أمريكية-إسرائيلية. وردّت إسرائيل، التي لم تتوقف عن قصف لبنان رغم اتفاق وقف إطلاق النار عام 2024، بغارات جوية على جارتها الشمالية وبتوغلات عسكرية في المناطق الحدودية.
واليوم تجد البلدة نفسها محاطة بالضربات الإسرائيلية ردًا على إطلاق الصواريخ من مناطق قريبة تابعة لحزب الله.
تقول جلاّد: «كنت أطلب منه أن يسافر ويرتب حياته… فكان يجيب: لن أغادر عين إبل». وتضيف: «كنا نعيش في فقر وضيق، وكنا نقول: الحمد لله». وتتابع: «لكن أن يُغدر بأولادنا هكذا ويُقتلون؟ لماذا؟ لم يكن لديهم ما يقاتلون به… من العار أن يُسفك دمهم هباءً».
«ادفنوني إلى جانب ابني»
بعد مشاركتها في صلاة حضرها السفير البابوي في لبنان المطران باولو بورجا، الذي يقوم بجولة على البلدات المسيحية القريبة من الحدود، انهارت جلاّد باكية وهي تمسك بصورة ابنها. وأعاد موت ابنها إلى ذاكرتها ألم والدتها عندما قُتل شقيقها قبل عقود.
تقول: «عشت التجربة نفسها. كنت في الرابعة عشرة عندما توفي أخي»، مضيفة: «كان حينها في جيش لبنان الجنوبي… ومات في الحادية والعشرين من عمره».
وقد بدأ جيش لبنان الجنوبي نشاطه خلال ثمانينيات القرن الماضي في المنطقة الحدودية بجنوب لبنان، التي كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي حتى عام 2000. وكانت هذه القوة، ذات الغالبية المسيحية، تتكوّن من ضباط وجنود منشقين عن الجيش اللبناني، إضافة إلى مجندين من أبناء المنطقة، وكانت موالية لإسرائيل.
ومنذ انتهاء الاحتلال خاضت إسرائيل ثلاث حروب كبرى مع حزب الله.
وقال رئيس بلدية عين إبل، أيوب خريش، أمام السفير البابوي: «لم نختر هذه الحرب، ولا نريدها، لكننا اخترنا أن نبقى». أما مارون نصيف، عضو المجلس البلدي في بلدة دبل المجاورة، فقال لوكالة فرانس برس: «نحن ندفع ثمن سياسات لم نخترها».
وأضاف: «نُجبر على التضحية والمخاطرة بوجودنا في هذه المنطقة حتى لا نخسر أرضنا وبيوتنا وقرانا ونصبح لاجئين بلا مكان نذهب إليه».
وتابع: «نحن مضطرون للبقاء في قرانا حتى تبقى لنا قريتنا»، في إشارة إلى مخاوف من أن تُستخدم منازلهم في عمليات عسكرية لحزب الله، ما يجعلها أهدافًا للغارات الإسرائيلية.
وفي بلدة رميش المطلة على إسرائيل، تجمعت نساء حول قافلة مساعدات تابعة لمنظمة كاثوليكية.
وقالت إلفيرا العميل، وهي أم لثلاثة أطفال: «منذ كنت صغيرة والبلدة تتعرض للقصف… كان هناك دائمًا حرب».
وأضافت: «كبرنا على أمل أن تنتهي… لكن أولادي ما زالوا يعيشون الحرب».
ويرفض سكان البلدات المسيحية الحدودية مغادرة منازلهم، معتقدين أنهم سيبقون بمنأى عن القصف الإسرائيلي.
لكن سكان بلدة علما الشعب اضطروا الأسبوع الماضي إلى الإخلاء بأوامر إسرائيلية، لأسباب لا تزال غير واضحة.
وفي مقبرة عين إبل، كانت جلاّد تمرّر يدها على شاهد قبر ابنها، فيما تحيط بها نساء يحاولن مواساتها.
وقالت: «لن أغادر… فليدفنوني إلى جانب ابني».
وأضافت: «لماذا نغادر؟ نحن لا نقاتل أحدًا. لا نقاتلها (إسرائيل) ولا نقاتلهم (حزب الله). هم الذين يقاتلوننا». |