قناة عشتار الفضائية
 

العراقيون يقبلون على شراء السلاح وسط هواجس أمنية

 

عشتارتيفي كوم- العربي الجديد/

 

سجل العراق في الأيام الأخيرة نشاطاً ملحوظاً في سوق السلاح الخفيف، وخصوصاً في بغداد ومحافظات أخرى، نتيجة إقبال متزايد من المواطنين على شراء سلاح شخصي للاحتفاظ به داخل منازلهم، في خطوة يبررها كثيرون بأنها وسيلة للحماية الذاتية في ظل تصاعد المخاوف من تراجع الأمن في البلاد. وأشار متابعون إلى أن أسواق السلاح غير الرسمية بدأت تستعيد نشاطها تدريجياً بعد سنوات من محاولات الحكومة تقليص انتشار السلاح بين المدنيين، إذ يشهد بعض المحال والوسطاء طلباً متزايداً على الأسلحة الخفيفة وعتادها، في مؤشر يعكس حالة القلق التي تسود أوساط المواطنين.

ويأتي هذا التحول في وقت تتصاعد فيه التوترات الأمنية، مع تزايد الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي تنفذها فصائل مسلحة في مناطق مختلفة من العراق، إضافة إلى الضربات الجوية التي تستهدف مواقع لتلك الفصائل، وهو ما أعاد إلى الواجهة مخاوف قديمة لدى العراقيين من احتمال انزلاق البلاد إلى مرحلة من الاضطراب والفوضى الأمنية، خصوصاً مع ما يوصف بعجز واضح للأجهزة الأمنية عن فرض سيطرة كاملة على بعض المناطق أو احتواء نشاط الجماعات المسلحة.

وفي حديث لـ"العربي الجديد"، قال الحاج أبو زيد (63 عاماً)، وهو من سكان بغداد، إنه قرر شراء بندقية "كلاشنكوف" ووضعها في منزله بعد تزايد القلق من التطورات الأمنية، معتبراً أن "الوضع في العراق غير مستقر، وهناك شعور عام بأن الأمور قد تتجه نحو الانفلات في أي لحظة"، مبيناً أنه احتاج عدة أيام للعثور على السلاح بسبب ارتفاع الطلب عليه، وأن الأسعار بدأت ترتفع نتيجة ذلك.

أما ماجد الكرخي (43 عاماً) من إحدى محافظات الوسط، وتحديداً ديالى، فقد أشار إلى أن أفراد عائلته اتفقوا على وجود قطعة سلاح واحدة في منزلهم على الأقل، تحسباً لأي طارئ، مضيفاً في مقابلة مع "العربي الجديد" أنه "في السنوات الماضية عشنا ظروفاً صعبة عندما تراجع الأمن، وتعلمنا أن وجود سلاح في البيت قد يكون ضرورياً لحماية العائلة". وأشار إلى أن "الحصول على السلاح أصبح أكثر صعوبة في الوقت الحالي، بسبب الإقبال المتزايد على شرائه"، لافتاً إلى أن "تجاربنا السابقة مع أجهزة الأمن وضعفها في مواجهة الفصائل والعصابات المنفلتة، تحتم علينا الاعتماد على أنفسنا وتوفير قطعة سلاح واحدة على الأقل في المنزل".

في المقابل، ينتقد مسؤولون أمنيون هذا التوجه، محذرين من عودة انتشار السلاح بين المواطنين، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد في المشهد الأمني. وقال المقدم في شرطة بغداد، علي الشمري، لـ"العربي الجديد"، إن "الدولة هي الجهة المسؤولة عن حماية المواطنين، وأن أجهزتنا الأمنية تؤدي واجب الحماية بكل جهد ومسؤولية، ولا توجد أي دواعٍ للتوجه نحو شراء السلاح". وأضاف أنّ "البلاد قد تشهد بعض الارتباك الأمني نتيجة التوترات القائمة في المنطقة، إلا أن الخطط الأمنية ما زال العمل فيها جارياً للحفاظ على الاستقرار المجتمعي"، مؤكداً أن "الأجهزة الأمنية تواصل تنفيذ إجراءات لضبط الوضع ومنع أي تدهور محتمل".

من جهته، دعا النائب ضمن تحالف "الإطار التنسيقي"، محمد جميل المياحي، عشائر محافظات معينة إلى الاحتفاظ بأسلحتهم، محذراً من القادم، وقال في تصريح صحافي: "دعوتي لكل أبناء عشائرنا للاحتفاظ بسلاحهم، فهناك عدو داخل العراق وخلايا نائمة بدأت تتحرك"، على حدّ وصفه، مشدداً على أنه "إذا استمرت الحرب، سيستمر استهداف الحشد الشعبي ومحاولة تفريق بعض المحافظات حتى تعود الطائفية والمشاكل، وهناك من يراهن على ذلك، فضلاً عن وجود أجندات دولية تعمل على ذلك". وانتقد الخطوات السابقة للحكومة بـ"سحب سلاح بعض العشائر الذي استخدمته العشائر ضد داعش"، محذراً من أن "الأيام المقبلة صعبة".

واعتبر الناشط المدني غزوان الجبوري أن هذه الظاهرة تعكس عودة تدريجية نحو "عسكرة المجتمع"، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن دوافع المواطنين مفهومة في ظل التجارب الأمنية القاسية التي مرّ بها العراق. وقال في مقابلة مع "العربي الجديد" إنّ "كثيراً من المناطق العراقية جرى تجريد سكانها من أسلحتهم الشخصية في السنوات الماضية ضمن خطط حكومية لضبط الأمن، إلا أن السكان لا يزالون يتذكرون سنوات طويلة من الخوف عندما كانت العصابات المسلحة والجماعات الخارجة عن القانون تسيطر على بعض المناطق وترتكب جرائم مختلفة فيها".

وأضاف أن "شعور القلق المتراكم لدى المواطنين يدفعهم اليوم إلى البحث عن وسائل حماية ذاتية، خاصة في بعض المناطق التي سبق أن تم تجريدها من السلاح، في ظل ما يعتبره البعض ضعفاً في قدرة القوات الأمنية على الاستجابة السريعة للأحداث الأمنية"، مشيراً إلى أن "الكثير من العراقيين يرون أن البندقية في البيت ليست للقتال، بل وسيلة للحماية إذا حدثت فوضى، خاصة وأن ثقتهم بالأجهزة الأمنية ودورها في حماية المواطنين ما زالت ضعيفة".

وتأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه وزارة الداخلية العراقية قد أطلقت، في يناير/ كانون الثاني 2024، مشروعاً وطنياً بعنوان "حصر السلاح بيد الدولة"، يتضمن شراء الأسلحة من المواطنين بشكل طوعي ضمن برنامج حكومي يسعى إلى تقليص انتشار السلاح بيد المدنيين، وقد خصصت الحكومة البوابة الإلكترونية الرسمية "أور" للتسجيل في البرنامج، إلى جانب إنشاء نحو 697 مركزاً لشراء الأسلحة في مختلف المحافظات. غير أن الإقبال على شراء السلاح، الذي عاود نشاطه اليوم في ظل ظروف أمنية غير مستقرة، يهدد بإرباك تلك الخطط الحكومية، إذ يبدو أن ذاكرة العراقيين المثقلة بتجارب الانفلات الأمني في السنوات السابقة لا تزال حاضرة بقوة، ما يدفع بعضهم إلى الاحتفاظ بالسلاح بوصفه وسيلة احتياطية في مواجهة مستقبل أمني لا يزال، بالنسبة لكثيرين، غامضاً وغير مستقر.