عشتارتيفي كوم- اندبندنت/
بينما كانت عالمة الآثار الألمانية أيدلهايد أوتو تستعد لدراسة ألواح مسمارية اكتشفتها مع فريقها في جنوب العراق، اندلعت حرب إقليمية اضطرتها إلى مغادرة البلاد براً عبر تركيا بعد رحلة استمرت مئات الكيلومترات.
وكان العراق قد بدأ يستعيد قدراً من الاستقرار بعد عقود من النزاعات وانتهاكات تنظيم "داعش"، مما أتاح عودة بعثات أثرية أجنبية للتنقيب في مواقع حضارة بلاد ما بين النهرين.
لكن الحرب التي اندلعت في الـ28 من فبراير (شباط) بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران امتد إلى العراق، حيث باتت السماء تعج بالصواريخ والمسيرات، فيما انخرطت فصائل عراقية موالية لإيران في القتال، مما أدى إلى تعليق أعمال التنقيب موقتاً.
وفي اتصال مع وكالة الصحافة الفرنسية، تقول أوتو (59 سنة)، وهي أستاذة في علم الآثار في جامعة لودفيغ - ماكسيميليانز في ميونيخ "نحن علماء آثار متخصصون في الشرق الأدنى، هذا هو عملنا، أصبحنا اليوم أشبه بموسيقيين لم يعودوا قادرين على العزف على آلة موسيقية".
كان فريقها، المؤلف من 18 خبيراً ألمانياً وسبعة علماء آثار عراقيين، يستعد يوم اندلاع الحرب لبدء أعمال التنقيب في موقع شوروباك السومري القديم في جنوب العراق حيث عثر على ألواح مسمارية.
وتوضح أوتو، التي تعمل في المنطقة منذ أربعة عقود، أن الفريق اعتاد بعد أيام من اندلاع الحرب "على عبور الصواريخ والمسيرات فوق رؤوسنا"، مشيرة إلى أنهم فضلوا في البداية البقاء، معتبرين أن السفر براً محفوف بالأخطار.
لكن مع تدهور الوضع الأمني، طلبت السلطات الألمانية والعراقية منهم المغادرة.
حماية الآثار
تقول أوتو "قلت للسلطات لا يمكننا المغادرة بهذه السرعة، هذا أمر مستحيل، يجب توثيق ألواح الكتابة المسمارية وقراءتها".
وتشير إلى أنها وطلابها أمضوا نحو أسبوعين في البلاد قبل المغادرة، تمكنوا خلالها من توثيق الألواح وتصويرها بالكامل، وتتابع "لا أحد يعلم ما إذا كنا سنتمكن من العودة يوماً ما" إلى العراق.
في الظروف الطبيعية، يعمل أكثر من 60 فريقاً أثرياً أجنبياً، بينها بعثات إيطالية وأميركية وألمانية وبريطانية، على التنقيب في مواقع مختلفة في العراق، لكن الحرب دفعت بعضها إلى إلغاء رحلات كانت مقررة منذ فترة طويلة، فيما غادرت أخرى على عجل.
ومع تصاعد الهجمات بالصواريخ والمسيرات، رفعت السلطات العراقية على المواقع الأثرية علامة مبادرة "الدرع الأزرق" المرتبطة بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، التي تعرف بـ"الصليب الأحمر للتراث".
وتعد البعثات الأجنبية ذات أهمية كبيرة للعراق، إذ حرم لعقود من هذه الخبرات بسبب النزاعات والحصار الاقتصادي في تسعينيات القرن الماضي خلال عهد الرئيس صدام حسين.
وتشرح أوتو أن "تقنيات علم الآثار تطورت كثيراً في السنوات الـ20 الأخيرة، لذلك ما زلنا ندرب عدداً من علماء الآثار العراقيين على الطرق الحديثة".
ويقول رئيس الهيئة العامة للآثار والتراث العراقية علي عبيد شلغم إن هناك "تعاوناً" مع البعثات الأجنبية من أجل "تدريب كل الكوادر الأثرية في محافظات العراق المختلفة، لمواكبة التطور العالمي".
من جهته، يأمل عالم الآثار العراقي عقيل المنصراوي أن "تنتهي هذه الحرب سريعاً"، من أجل "عودة الفرق الأجنبية التي تسهم كذلك بصورة كبيرة بحماية الآثار في العراق".
ومن أبرز هذه الفرق بعثة تابعة للمتحف البريطاني تعمل منذ سنوات على صيانة "أقدم جسر في العالم" في مدينة كرسو التاريخية، الذي يعود تاريخه لأكثر من 4 آلاف عام ويعاني مشكلات وتآكلاً في بنيته.
لا "راحة"
وعند اندلاع الحرب، كانت أستاذة علم آثار بلاد ما بين النهرين في جامعة شيكاغو أوغوستا ماكماهون موجودة في موقع نيبور الأثري، الذي يعود لأكثر من 6 آلاف عام في جنوب العراق.
واضطرتها الحرب إلى المغادرة، في تكرار لتجارب سابقة، بينها مغادرتها العراق عام 2024 مع تصاعد التوتر الإقليمي بعد اندلاع الحرب في قطاع غزة، ومغادرتها سوريا عام 2011 مع بدء النزاع هناك.
ورافقت مدرعات تابعة لقوات الأمن العراقية ماكماهون وفريقها حتى الحدود مع السعودية.
وكانت تأمل المشاركة في مؤتمر الآشوريات الدولي (RAI)، الذي كان مقرراً أن تستضيفه جامعة بغداد اعتباراً من الـ29 من مارس (آذار) الجاري، قبل أن يلغى بسبب الحرب.
وسبق أن ألغي المؤتمر نفسه عام 1990 مع اندلاع حرب الخليج، بعدما كانت بغداد تعتزم استضافته.
وتقول ماكماهون "اليوم بعد 36 عاماً، ألغي المؤتمر من جديد، وكأن العراقيين لا يمكنهم أبداً أن يحظوا بأية راحة".
|