قناة عشتار الفضائية
 

زيارة البابا لاوون تُعيد فتح ملفّ اندثار المسيحيّة في شمال إفريقيا

 

عشتار تيفي كوم - آسي مينا/

بقلم: سهيل لاوند

تُعيد زيارة البابا لاوون الرابع عشر عنّابة الجزائريّة (هيبون) إلى الواجهة ذاكرة كنيسة شمال إفريقيا؛ هي التي عرفت في القرون الأولى ازدهارًا لاهوتيًّا لافتًا، وقدّمت عددًا كبيرًا من القدّيسين والشهداء. وتطرح الزيارة في المقابل سؤالًا تاريخيًّا مفصليًّا: لماذا اندثرت هذه الكنيسة في العصور الوسطى؟

انتشرت المسيحية في شمال إفريقيا (من ليبيا شرقًا حتى المغرب غربًا) منذ القرن الثاني، وبلغت ذروتها في القرنين الثالث والرابع، قبل أن تبدأ بالتراجع تدريجًا منذ القرن الخامس بشكل محدود، ثم بصورة متسارعة منذ أواخر القرن التاسع، وصولًا إلى اندثارها في القرن الخامس عشر. ويمكن تفسير هذا المسار بأربعة عوامل رئيسة.

أولًا، الانقسام الذي شكّل تصدّعًا عميقًا في القرن الرابع، حين انقسمت الكنيسة بين كاثوليكية مرتبطة بالإمبراطورية الرومانية، ودوناتية نصّبت نفسها «كنيسة الشهداء». رفَضَ الدوناتيون شرعية من اعتبروهم «خونة» (وهم الذين سلّموا الكتب المقدسة في خلال فترة الاضطهادات للنجاة من الإعدام)، وأصرّوا أيضًا على نقاوة الإكليروس، في مقابل رؤية كاثوليكية تعتبر أن فاعلية الأسرار لا تتوقف على أخلاق الكاهن. وبينما سعى الدوناتيون إلى «كنيسة من الكاملين»، دافعت الكاثوليكية عن شمولية تضم القديسين والخطأة معًا.

ثانيًا، تسييس هذا الانقسام، إذ لم يبقَ خلافًا لاهوتيًا فحسب، بل عكَسَ انقسامًا اجتماعيًا واضحًا؛ الكاثوليكية تمثّل النخبة الرومانية في المدن، في حين وجدت الدوناتية صدى واسعًا في الأرياف وبين الأمازيغ بوصفها تعبيرًا عن رفض الهيمنة الرومانية. ومع لجوء الإمبراطورية إلى التضييق على الدوناتيين وصولًا إلى القضاء عليهم عسكريًا، اندثرت الكنيسة المرتبطة بهوية السكان المحليين، فيما نظر كثيرون إلى الكاثوليكية (الكنيسة الجامعة) على أنها «دين الآخَر»، ما سهّل التخلي عنها لاحقًا، خلافًا لما حصل في مصر وسوريا وأرمينيا حيث تماهت الكنيسة (القبطية والسريانية والأرمنية) مع الهوية المحلية.

 

ثالثًا، غياب الترجمة إلى الأمازيغية. ففيما سارعت كنائس الشرق إلى اعتماد لغات محلية كالقبطية والسريانية، بقيت كنيسة شمال إفريقيا متمسكة باللاتينية لغةً للعبادة والتعليم، ما حصرها في الأوساط المدينية. ومع تراجع اللاتينية بسقوط الإدارة الرومانية، وجد الأمازيغ أنفسهم بلا مرجعية نصّية بلغتهم، فشكّل غياب «كتاب مقدس أمازيغي» عائقًا أمام تجذّر الإيمان شعبيًا.

رابعًا، تعاقب الاحتلالات. فقد أدّى حكم الوندال الآريوسيين في القرن الخامس إلى إضعاف الكنيسة الكاثوليكية عبر مصادرة ممتلكاتها ونفي أساقفتها، ثم جاء العهد البيزنطي مثقلًا بفرض توجهات لاهوتية وأعباء ضريبية زادت نقمة السكان. ومع دخول المسلمين، وجد كثيرون في اعتناق الإسلام مخرجًا من الجزية وتساويًا اجتماعيًا واقتصاديًا، خصوصًا في ظل غياب بنية رهبانية قوية - «العمود الفقري للمسيحية» - ولا سيما في الأرياف، وقلة حضور القيادة الكنسية المحلية بعد تراجع الحضور الروماني.

في المحصلة، لم يكن اندثار المسيحية في شمال إفريقيا «قتلًا مفاجئًا»، بل كان «وفاة طبيعية» لمؤسسة لم تنجح في التكيّف مع بيئتها المحلية. لقد كانت الكنيسة الشمالية الإفريقية شجرة ضخمة وجميلة لكن جذورها كانت مغروسة (بعد القضاء على الدوناتية) في تربة الكنيسة اللاتينية فقط، وعندما هبّت رياح التغيير السياسي واللغوي، لم تجد ما يثبّتها في الأرض التي نشأت فيها.