قناة عشتار الفضائية
 

عام على رحيل البابا فرنسيس… لحظات لا تُنسى من حبريّة صنعت فارقًا

 

عشتار تيفي كوم - آسي مينا/

بقلم: رومي الهبر

قبل عامٍ، في مثل هذا اليوم، ودّع العالم البابا فرنسيس. رحيله يُعدّ خسارة كبيرة للكنيسة الكاثوليكيّة والإنسانيّة جمعاء. وقد شكّلت حبريّته محطّة فارقة، حافلة بلحظات جريئة ومواقف غير مسبوقة تركت بصمة عميقة في تاريخ العالم المعاصر.

في ما يلي، لحظات لا تُنسى شهدتها حبريّته:

تقبيل الأقدام

في العام 2019، قبّلَ البابا فرنسيس أقدام قادة جنوب السودان، مناشدًا إيّاهم مباشرةً التزام السلام ووقف النزاع. لم يكُن هذا التصرّف لفتة إنسانيّة فحسب، بل تجسيدًا عميقًا لجوهر الإيمان المسيحيّ كما يُقدِّمه الإنجيل: تواضعٌ بلغَ حدَّ الانحناء، وخدمةٌ سبقت السلطة، ومحبّة تخطّت الحسابات السياسيّة. في هذا الفعل الرمزيّ، استعاد البابا صورة المسيح الذي غسل أقدام تلاميذه، مُظهرًا أنّ القيادة الحقيقيّة تقوم على خدمة الآخَر، لا التسلّط عليه.

 

واليوم، في عالمٍ تُمزّقه الحروب، يبدو هذا المشهد كأنّه نداءٌ مباشر: السلام لا يُفرَض، بل يبدأ من تواضعٍ يجرؤ على كسر منطق الصراع.

صلاة في ساحة فارغة

في مساء 27 مارس/آذار 2020، وقف البابا فرنسيس وحيدًا في ساحة القدّيس بطرس الخالية، في لحظة صلاة استثنائيّة رفَعها على نيّة عالمٍ كان يعيش ذروة الخوف مع انتشار جائحة كوفيد-19.

وقد شكّلَ هذا المشهد صورةً في منتهى الرمزيّة: بابا وحيد في ساحةٍ كانت تضجّ بالحياة، في انعكاسٍ لعزلة البشريّة آنذاك. وجسّد ذلك المساء واقع عالمٍ أُجبر على التوقّف، على الصمت، وعلى مواجهة هشاشته. ومع ذلك، لم تكن الوحدة فراغًا، بل امتلأت بحضورٍ روحيّ عابر للحدود، جمع ملايين الأشخاص الذين تابعوا تلك اللحظة من منازلهم.

بابٌ مقدّس… خلف القضبان

في 27 ديسمبر/كانون الأوّل 2024، افتتح البابا فرنسيس في خلال يوبيل الرحمة، الباب المقدّس الثاني، ليس في بازيليك كبرى، بل داخل سجن ريبيبيا، المجمّع الجديد في روما، وهي خطوة غير مسبوقة جعلته أوّل بابا يفتح بابًا مقدّسًا في سجن.

هذا الاختيار هو رسالة واضحة تُعبِّر عمّا أراد البابا التشديد عليه: الرحمة تشمل الجميع، وهي ليست امتيازًا لفئة دون أخرى. إنّها رحمة لا تُقصي، بل تبحث تحديدًا عن المنسيّين والمهمَّشين.

في هذا المشهد، أعاد فرنسيس التذكير بفكرة أساسيّة في الإيمان المسيحيّ: لكلّ إنسان فرصة جديدة، ولا أحد يُختصَر بماضيه.

ظهور أخير…

 قبيل وفاته، ظهر فرنسيس على كرسيّه المتحرّك داخل بازيليك القدّيس بطرس، بملابس بسيطة، من دون مظاهر رسميّة. بدا متعبًا، لكنّ ابتسامته لم تغب. اختار أن يكون قريبًا من الناس حتى في ضعفه، وأن يَروهُ كما هو، لا كما تفرضه البروتوكولات. وحرص في أيّامه الأخيرة على أن يُطلّ على المؤمنين في عيد الفصح، كأنّها تحيّة أخيرة، وحضورٌ أخير.

بدت نهاية فرنسيس كأنّها تحمل رسالة: علاقة عميقة بالناس، وارتباط صادق بالمكان، ورغبة في أن يبقى بينهم حتّى اللحظة الأخيرة.