قناة عشتار الفضائية
 

غطاء رأس بطاركة كنيسة المشرق وأساقفتها… مسيرةُ تَطوُّر جَمعت التقليد والرمزيّة

 

عشتارتيفي كوم- آسي مينا/


بقلمجورجينا بهنام حبابه

بغداد، الأربعاء 6 مايو، 2026

 

اعتاد أبناء بلاد النهرين عبر القرون اعتمار غطاءٍ للرأس، ويجذبنا الملك السومريّ «كوديا» بغطاء رأسه الملفوف بشكلٍ دائريٍّ خالٍ من الزوايا، فالدائرة هندسيًّا ولاهوتيًّا هي رمز الكمال. وعلى منوال بلاد النهرين، حيث تأسّست كنيسة المشرق، دأب بطاركتها وأساقفتها المتعاقبين على اعتمار أغطية رأسٍ تنوّعت أشكالها وألوانها وأقمشتها أيضًا.

لكنّ بعض تلك القبّعات كان جزءًا من حُلَلٍ طقسيّة موروثة، في تقليدٍ تاريخيٍّ كتابيٍّ يعود إلى ثياب هارون الكاهن، المذكورة في سفر الخروج «صُدْرَةٌ وَرِدَاءٌ وَجُبَّةٌ وَقَمِيصٌ مُخَرَّمٌ وَعِمَامَةٌ وَمِنْطَقَةٌ»، كما شرح المطران حبيب هرمز، راعي أبرشيّة البصرة الكلدانيّة والزائر الرسوليّ في أوروبا والمدبِّر البطريركيّ حاليًّا، في حديثه عبر «آسي مينا».

وقال إنّ غطاء الرأس، أو القبعة، يُسمّى أيضًا «بيرون»، وقد ورد ذكره في كتب تأريخ سلسلة بطاركة كنيسة المشرق. وكان أوّلًا من حرير، ثم استخدمت بعض الكنائس قماشًا أبيض ثم قماشًا أسود، وله اسم آخر بالكلدانية هو (سنورتا- ܣܢܘܪܬܐ) وكان يوضع على رأس الأسقف بحيث ينزل إلى كتفَيه.

وأشار هرمز إلى أنّ بعض المصادر تذكر أنّ مار ماري من القرن الأول، مؤسس الكرسيّ البطريركيّ لكنيسة المشرق، كانت قبعته بيضاء اللون، واعتمر خليفته رئيس الأساقفة أبريز قبعةً خضراء.

وأضاف: «وردت في سلسلة جثالقة كنيسة المشرق ألوانٌ أخرى كثيرة لقبّعاتهم ما بين ورديّة، ونفطيّة، وزنجاريّة، وصفراء، ونارنجيّة، وزرقاء، وبنفسجيّة وسوى ذلك. وهذه تطوّرت عبر الأزمان إلى شكلٍ أشبه بالعمامة، إذ يُلَفّ القماش بشكل طوق دائري يسمّى بالكلدانيّة (كوراخا) أي مُدوَّر. ومن الكلمة عينها اشتُقّ جانب الكرخ من بغداد وسُمِّيَت المدورة، لأنها كانت مُحاطة بسورٍ دائريّ».

 

رمز الحكمة

لاحقًا لبث الأسوَدُ لونًا ثابتًا لغطاء الرأس، كونه رمز الحكمة، وغدا يُعرَف بالـ«شاش»، ويسمّى بالسريانيّة العاميّة (أي السوْرَث): «شوشتا». وقد اختلف شكل الشوشتا وحجمها وطريقة لفّها حول الرأس وعدد طيّاتها، من زمنٍ إلى آخَر ومن بطريرك إلى آخَر، ما بين الكبير المُستَعرض المتعدّد الطيّات واللفّات، أقرب إلى الشكل البيضويّ، وآخَر صغير مدوّر، بحسب هرمز.

ولفت هرمز إلى أنّ البابا يوليوس الثالث، حين رسم يوحنا سولاقا بطريركًا لكنيسة المشرق الكلدانيّة عام 1553، وضع على رأسه تاجًا بدل البيرون، «ويكون هذا التاج الذي يوضع على رأس البطريرك أو الأسقف ذا ارتفاعَين مثلَّثَي الشكل علامةً على طبيعتَي المسيح، له المجد».

وتابع: «بالعودة إلى لوحةٍ فنيّة وصلتنا عبر مخطوطة، يمكننا أن نميّز بوضوح شكل بيرون بطريرك كنيسة المشرق وأساقفتها إبّان الخلافة العباسيّة، في سامراء تحديدًا، حيث استقرّ الكرسيّ البطريركيّ مُدّةً من الزمان، ودُفِن هناك ثلاثة بطاركة في خلال الفترة من القرن التاسع وحتى الحادي عشر. ويظهر في الصورة تأثّر الغطاء بالتقليد الرهبانيّ، فكثير من البطاركة كانوا في الأصل رهبانًا، فنجده ينزل إلى الرقبة والكتفين. وهناك أيضًا لوحاتٌ وصور لبطاركة كنيستنا الكلدانيّة، يظهر واضحًا فيها تطوّر الشوشتا».

وختم هرمز بالتنبيه إلى أنّ الاتّحاد مع روما لم يُلْقِ بأثره على غطاء رأس إكليروس الكنيسة الكلدانيّة، ولم يشرع أساقفتها اتّباع التقليد اللاتينيّ في اعتمار «الزوكيتو zucchetto» إلّا في القرن التاسع عشر، فيما تحوّلت الشوشتا من قماشٍ يُلَفّ حول الرأس إلى قبعّةٍ جاهزة سوداء اللون ذات شكلٍ إسطوانيّ بارتفاعٍ بسيط. وفي القرن العشرين، قد يعتمر البطريرك واحدةً حمراء اللون تتناسب مع ارتدائه اللون الأحمر أحيانًا، لون الدم، رمزًا لاستعداده للاستشهاد، اقتداءً بمار شمعون برصبّاعيّ.