قناة عشتار الفضائية
 

البابا لاون يوجّه أكثر من 400 نداء للسلام خلال السنة الأولى من حبريته

 

عشتارتيفي كوم- أبونا/

 

«سلامٌ مُجرَّد من السلاح، وسلامٌ يُجرِّد من السلاح». بهذه الكلمات، عند غروب 8 أيار 2025، ومع بداية حبريته، رسم البابا لاون الرابع عشر رؤيته للسلام، قبل أن يمنح بركته الحبرية الأولى لمدينة روما والعالم، عقب ظهوره الأول كخليفة القديس بطرس الـ267.

وأوضح في خطاب يوم عيد الميلاد أن هذا السلام ليس صمت الأسلحة الناتج عن وقف إطلاق نار فقط، بل هو شيء أعمق بكثير، مبتعدًا عن التفاهمات الهشّة في السياسة الدولية. فمثل هذه الاتفاقات قد تجعل كل دعوة للمصالحة تبدو «مُجرّدة من السلاح» بالمعنى السلبي: أي تسلب الإنسان الإرادة على الرد أو المقاومة، وتُدخل نوعًا من الإرهاق الكبير الذي يفرغ الكلمات من معناها.

وخلال البركة الميلادية «لمدينة روما والعالم» في 25 كانون الأول، أشار إلى أفق «السلام البريّ»، مستلهمًا الشاعر يهودا عميحاي، حيث تنبت المصالحة فجأة مثل «الأزهار البرية» تشق طريقها عبر شقوق الإسمنت. وقال: «ليأتِ هذا السلام، لأن الحقل بحاجة إليه».

 

أكثر من 400 ذكر لكلمة «السلام»

ظهرت كلمة «السلام» أكثر من 400 مرة في الخطابات التي ألقاها أسقف روما خلال السنة الأولى من حبريته. وقد استخدمها في سياقات متعددة، بدءًا من لقاءه الأول مع العاملين في وسائل التواصل والإعلام في قاعة بولس السادس، في 12 أيار 2025. وقال لهم: «أنتم في الخطوط الأمامية» في تغطية الحروب وكشف آمال المصالحة داخلها، داعيًا إلى إعلام «يخرجنا من برج بابل» الذي نعيش فيه أحيانًا، أي من فوضى الخطابات الأيديولوجية والمتحيّزة.

فالسلام لا يعيش تحت الشعارات، وهو ليس ساذجًا. ولذلك لا معنى لأن يتظاهر «سادة الحرب» بأنهم لا يعرفون أن تدمير كل شيء يحتاج لحظة، بينما إعادة الإعمار قد لا تكفيها حياة كاملة. ولا معنى أيضًا لتجاهل أن مليارات الدولارات تُنفق على القتل والتدمير، بينما لا تُوجد الموارد الكافية لعلاج الناس وتعليمهم ورفعهم من الفقر. وكشف البابا هذا التناقض خلال لقائه المشاركين في تجمّع المؤسسات لمساعدة الكنائس الشرقية (ROACO)، في 26 حزيران 2025، قائلاً إن الأموال التي يمكن أن تبني مستشفيات ومدارس تُستخدم بدلًا من ذلك لكي تُدمّر تلك التي بنيت من قبل!

 

نتائج الحرب

منذ أولى إشارات البابا إلى السلام في الفاتيكان، وحتى كلماته الأخيرة التي ألقاها قبل أقل من شهر في قلب إفريقيا، في باميندا بالكاميرون، خلال لقاء في كاتدرائية القديس يوسف، والذي خُصِّص لتعزيز المصالحة مع المجتمع المحلي، يمتدّ خطاب البابا لاون حول الشركة والوحدة عبر أبعاد زمنية وجغرافية مختلفة.

وفوق كل شيء، فإن الانسجام الذي يتحدث عنه البابا يتجاوز ارتفاعات القصور حيث يقرر «أسياد الحرب» «أفعال الموت»، ليهبط إلى الجسد المنهك واليائس للمحرومين الذين «لا يتغذون إلا على اليأس والدموع والبؤس». وقد ترددت هذه الكلمات في مقر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، كتذكير بأحد أخطر النتائج الجانبية للصراعات: الجوع.

العمق والقرب: انحناء الركبة في فعل العطاء، كما ورد في عظة قداس خميس الأسرار، حيث تُقدَّم صورة الله كقوةٍ قادرة، لكنها تتجلى في الخدمة.

 

الأصنام التي تغذّي الصراعات

شكّل أسبوع الآلام نفسه إحدى المحطات البارزة في نداءات أسقف روما من أجل السلام. في صباح أحد الشعانين، أكد مجددًا أنه لا يمكن تبرير الحرب باسم الله، مشيرًا إلى أن الله «لا يصغي إلى صلاة الذين يخوضون الحروب، بل يرفضها ويقول: "وإِن أَكثَرتُم مِنَ الصَّلاةِ لا أَستَمِعُ لَكم، لأَنَّ أَيدِيَكم مَمْلوءَةٌ مِنَ الدِّماء"».

وبوصفه خليفة بطرس، ينحني البابا على جراح الحرب. ينظر من الأسفل إلى الأعلى، وفي الوقت نفسه يسمو فوق أولئك «المستعبدين للموت»، لأنهم أداروا «ظهورهم لله الحي، ليجعلوا من أنفسهم ومن سلطتهم صنمًا أبكم وأعمى أصم» (عشية الصلاة من أجل السلام 11 نيسان 2026).

وهكذا، فكما تشمل كلماته الامتداد الكامل للسلام، لا يغفل البابا لاون الرابع عشر أيًا من الأصنام التي تغذي صراعات اليوم. فإذا لم تكن التعطّش للسلطة، فهي في كثير من الأحيان شهوة المال، كما أشار خلال زيارته إلى إمارة موناكو.

 

خطوات المصالحة الخفيفة

 

كانت الكلمات التي أُلقيت خلال أسبوع الآلام بعد تلاوة المسبحة الوردية لطلب نعمة السلام، ثقيلة، لكنها توازنت مع فكرة انسجام تتسم أيضًا بالخفّة. وقد تحدّث عن انسجام لا يطأ الأرض إلا ليرقص على إيقاع الموسيقى، كما أشار خلال زيارته إلى لبنان. وقال: «إنه مثل حركة داخليّة تتدفّق إلى الخارج، تؤهّلنا لأن نهتدي بأنغام تفوقنا، هي نغم المحبة الإلهية» (خطاب البابا في القصر الرئاسي في بيروت، 30 تشرين الثاني 2026)، مطمئنًا شعب بلدٍ يشعر، كما قليل من البلدان الأخرى، بآلام أنين الحرب.

وبين الرقص والرحلة، يصبح السلام أمرًا ينبغي بلوغه، مع اليقين بأنه سيتحقق يومًا ما. وإلا فإن الموضوع الذي اختاره البابا لليوم العالمي التاسع والخمسين للسلام سيفقد معناه: «نحو» سلام هو تحديدًا «مُجرَّد من السلاح، وسلامٌ يُجرِّد من السلاح».

 

شجاعة نزع السلاح

تمسّ نداءات البابا الواقع الملموس للصراعات، وأحد أبرز مسبباتها: سباق التسلّح. وكما أشار أسقف روما نفسه، ارتفع الإنفاق العسكري العالمي بنسبة 9.4% في عام 2024، مؤكّدًا اتجاهًا مستمرًا منذ عشر سنوات، ليصل إلى 2.718 تريليون دولار، أي ما يعادل 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

«انزعوا سلاحكم!» هكذا دعا البابا لاون الرابع عشر أقوياء العالم، مستلهمًا كلمات يسوع، وحاثًّا إياهم على التحلّي بـ«جرأة نزع السلاح» في تأمله خلال عشية الصلاة من أجل السلام في يوبيل الروحانية المريمية، في 11 تشرين الأول 2026.

واليوم، تغيّرت الأسلحة: من السيوف إلى الطائرات المسيّرة، التي تُشوّه صورة الحرب لتجعلها أشبه بـ«مشهد لعبة فيديو». ومع ذلك، تبقى الحرب واقعًا مأساويًا لا ينبغي التعود عليه، كما شدّد البابا بقوة في ختام المقابلة العامة بتاريخ 18 حزيران 2025.

 

الرياضة والثقافة: أدوات للمصالحة

على النقيض من ذلك، من الضروري إيجاد سُبل مبتكرة لتجنّب «اللامبالاة تجاه القانون». هذه الكلمات مأخوذة من رسالة كتبها البابا، حدد فيها وسيلة من وسائل الشركة والوحدة، وهي قيمة الرياضة التي تعلّم أنه في المنافسة -وقبل كل شيء في الحياة- «السقوط ليس أبدًا الكلمة الأخيرة».

وقال البابا لاون، خلال المقابلة العامة بتاريخ 3 أيلول 2025، إن المسيحيين أنفسهم لا ينتصرون على الشر بالقوة، «بل بقبول ضعف المحبة قبولًا كاملاً».

كما تمرّ الشركة أيضًا عبر التأمل وقيمة الدراسة، من خلال تعزيز «مسارات التربية على اللاعنف»، كما طلب من الأساقفة الإيطاليين. وفي حديثه عن السلام، أقرّ البابا بضرورة «إعادة مواءمة السياسات» المرتبطة بالتعليم، بما يعزز «ثقافة الذاكرة» القادرة على الحفاظ على «الوعي الذي تم اكتسابه في القرن العشرين» وعدم نسيان ملايين ضحاياه.

وتساءل مخاطبًا تجمّع المؤسسات لمساعدة الكنائس الشرقية (ROACO) مجدّدًا: «كيف يمكن، بعد قرون من التاريخ، أن نصدّق أن أعمال الحرب تجلب السلام ولا تنقلب على من شنّها؟». وأقرّ بأن كل شيء قابل للنسيان، حتى «النور» نفسه. ولذلك، قد يأتي «السلام البريّ»: تلك الزهرة العنيدة التي تنمو وسط الخرسانة، بجمالٍ قادر على نزع السلاح من القلوب.