قناة عشتار الفضائية
 

كتاب "نبوءة آشور" للدكتور رون سوسك: إعادة قراءة للتاريخ الجيوسياسي والروحي للشرق الأوسط

 

عشتارتيفي كوم/

 

صدر كتاب (The Assyrian Prophecy  نبوءة آشور) للمؤلف الأميركي الدكتور رون سوسك، ليثير موجة من النقاشات الفكرية واللاهوتية والسياسية حول مصير ومستقبل أحد أقدم شعوب الشرق الأوسط. يتناول الكتاب المكون من 325 صفحة مأساة الشعب الآشوري المعاصر، رابطاً إياها بنبوءات كتابية قديمة وتطورات جيوسياسية حديثة.

 

من رماد الإمبراطورية إلى دماء الشهادة

يبدأ الدكتور سوسك كتابه بالعودة إلى التاريخ القديم، حيث كانت الإمبراطورية الآشورية تمثل القوة العظمى الأولى في العالم القديم. ورغم سقوط عاصمتهم نينوى عام 612 قبل الميلاد وأفول نجمهم السياسي، يوضح الكاتب كيف تحول هذا الشعب مع بزوغ المسيحية ليصبح من أوائل المجتمعات التي اعتنقت الإيمان الجديد بالكامل.

يركز المؤلف على المفارقة التاريخية: كيف تحول الآشوريون من "بناة إمبراطورية عسكرية" إلى "بناة ملكوت روحي"، ونشروا المسيحية عبر قارة آسيا وصولاً إلى الصين. لكن هذا التحول قوبل عبر القرون بـ "إبادات جماعية بطيئة ومتلاحقة"، بلغت ذروتها في المذابح التاريخية خلال الحرب العالمية الأولى، وصولاً إلى الفظائع التي ارتكبها تنظيم داعش عام 2014 في سهل نينوى شمال العراق.

 

اللغز اللاهوتي: نبوءة إشعياء 19

المحور الجوهري الذي يرتكز عليه الكتاب هو تفسير نبوءة توراتية شهيرة وردت في (سفر إشعياء الآيات 19: 23-25.) تنص النبوءة على أنه سيكُون هناك طريق يربط بين مصر وآشور، وأن آشور وإسرائيل ومصر سيعبدون الله معاً، وسيكونون بركة في وسط الأرض.

 

الصرخة الإنسانية والدعوة الدولية

لا يقف كتاب "نبوءة آشور" عند حدود التفسيرات الدينية، بل يتحول في فصوله الأخيرة إلى وثيقة سياسية وإنسانية صارخة. يتناول المؤلف واقع الهجرة القسرية (الشتات) الذي يعيشه أكثر من 3 ملايين آشوري حول العالم، مقابل بضع مئات من الآلاف يتشبثون بأرض أجدادهم في العراق وسوريا.

 

أبعاد الكتاب ومستقبل المنطقة

يمزج الكتاب ببراعة بين البحث التاريخي الرصين، والتحليل الجيوسياسي لواقع الشرق الأوسط، والرؤية الميتافيزيقية للمستقبل. إنه ليس مجرد كتاب يسرد مأساة أمة، بل هو محاولة لإعادة قراءة الخارطة الروحية والسياسية للمنطقة، والتأكيد على أن السلام المستدام في "مهد الحضارات" لن يتحقق إلا بإنصاف شعوبها الأصيلة وإعادة الاعتبار لتاريخها وحقوقها.

 

حتمية النهوض والمنظور المستقبلي

يرى الدكتور سوسك أن هذه الأمة المكسورة والمغدورة لم تمت، بل إن دماء شهدائها هي البذرة التي ستزهر لتحقيق الوعد الإلهي بالنهوض مجدداً. يدعو المؤلف المسيحيين والمجتمع الدولي في الوقت الحاضر إلى الالتفات لمعاناة الآشوريين ودعم بقائهم وحقوقهم في أرض أجدادهم، دون الانتظار السلبي للمستقبل.

 

كيف يربط الكتاب تاريخياً وسياسياً بين الماضي القديم وأحداث نينوى والعراق المعاصر؟

 

جغرافيا نينوى: من عاصمة الإمبراطورية إلى بؤرة الاستهداف

يذكر الكاتب أن سهل نينوى هو الموطن التاريخي والأصلي للشعب الآشوري منذ آلاف السنين، وسقوط العاصمة نينوى قديمًا (عام 612 ق.م) لم ينهِ وجود الشعب، بل تحولوا إلى العيش في قراهم وبلداتهم محتفظين بلغتهم (الآرامية) وهويتهم.

ويربط سوسك بين الهوية التاريخية للمنطقة وبين ما تعرضت له في العقود الأخيرة؛ حيث شكلت نينوى دائمًا هدفًا لسياسات التغيير الديمغرافي والتهجير القسري تحت حكم الأنظمة المتتابعة في العراق، لمحاولة محو هذا الرابط التاريخي.

 

أحداث عام 2014 (اجتياح داعش) كلحظة مفصلية

يفرد الكتاب مساحة واسعة لليلة 6-7 آب/أغسطس 2014، عندما اجتاح تنظيم داعش بلدات سهل نينوى (مثل بخديدا، برطلة، تلكيف، وكرمليس) بعد انسحاب القوات العسكرية. يصف سوسك هذه الأحداث بأنها "تطهير عرقي وديني" أدى إلى تهجير أكثر من 120 ألف مسيحي في ليلة واحدة نحو إقليم كوردستان وخارج العراق.

 

 

الخلاصة

نجح كتاب "نبوءة آشور" في تحريك المياه الراكدة؛ فقد استقبل كـ "وثيقة إيقاظ للضمير الإنساني" من جهة، وكـ "مادة خصبة للسجال اللاهوتي" من جهة أخرى. ورغم التباين في قبول أطروحته السياسية، إلا أن الجميع اتفقوا على أن رون سوسك أعاد للواجهة قضية شعب عريق يصارع الفناء في موطنه التاريخي.