قناة عشتار الفضائية
 

تفضيل اليمين... أصول نهرينيّة لرموزٍ مسيحيّة

 

عشتار تيفي كوم - آسي مينا/

بقلم: جورجينا بهنام حبابه

كلّما أعلنّا إيماننا مردّدين قانون الإيمان، كرَّرنا عبارة: «وجلَسَ عن يمين الله الآب»، فهل تساءلنا: لماذا عن اليمين؟ وما هي رمزيّة اليمين؟ وما مصدرها؟

شرح المطران حبيب هرمز، راعي أبرشيّة البصرة الكلدانيّة والزائر الرسوليّ في أوروبا والمدبِّر البطريركيّ حاليًّا، في حديثه عبر «آسي مينا»، ارتباط هذا الرمز بحضارة ما بين النهرين ورحلة الإنسان القديم الباحث عن الطعام.

وبيَّنَ أنّ تطوّر الاهتمام باليمين استغرق قرونًا رافقت تطوّر الإنسان، من نباتيٍّ يلتقط الحبوب والفواكه بيمينه، إلى آكلِ لحوم يصيد الحيوانات نهارًا ويعود إلى كهفه ليلًا، حينما كان يقطن شمال ما بين النهرين، فاحتاج دليلًا يقوده في الليل الموحِش لئلا تفترسه الحيوانات.

 

«وقد تطوَّرَ تفكيرهُ إلى استنتاج فكرة الشرق والغرب وتحديد موقعه معتمدًا جهة النجم القطبيّ، نحو الشمال، الذي كان يُواجهه في طريق عودته إلى الجبال، فتشرق الشمس عن يمينه، وهو في أمسّ الحاجة إلى نورها ليأمَن شرّ الافتراس. وهكذا تطوّر الاهتمام، جيلًا فجيل، باليَد اليُمنى، وعدُّوها مصدر بركةٍ واطمئنان»، وفق هرمز.

تفضيل اليمين

وتابع: «على هذا المنوال، استمرَّ اعتماد الإنسان استخدام اليَد اليُمنى في مختلف أعماله، وإهماله اليسرى، حتّى يومنا هذا، فهو يُصافح باليُمنى ويركع في الكنيسة على الركبة اليُمنى، والعروسان أيضًا يتصافحان بيمينَيهما في أثناء الاحتفال بعهد الزواج. وعند القَسَم وحلف اليمين، يضع الإنسان يمناه على كتابه المقدّس، وَفق دينه».

لا يقتصر الأمر على ديانةٍ بعينها، بل يكاد يكون إرثًا حضاريًّا مشتركًا، فهناك مَن يُزكّي الأكل باليَد اليُمنى ودخول الأماكن المقدّسة بالقدَم اليُمنى، ومنه أيضًا استُعير «التّيَمُّن» ومعناه التفاؤل. 

العبرانيّون واليمين

وأشار هرمز إلى تشبّع بني إسرائيل، المسبيّين في بلاد ما بين النهرين، برموز الحضارة النهرينيّة، لا سيّما وهم أحفاد إبراهيم ابن «أور»، وهي بحسب التقليد الكتابيّ موطن إبراهيم الذي انطلقت منه مسيرته الإيمانيّة في العهد القديم. فهؤلاء ورثوا التقليد عينه أو العادة نفسها.

وقال إنّ الفكرة دخلت في أسفار الكتاب المقدّس، فنجد في سفر التكوين (35: 18) اسم بنيامين ومعناه: ابن اليمين. وكذلك نقرأ «يَمِينُكَ يَا رَبُّ مُعْتَزَّةٌ بِالْقُدْرَةِ. يَمِينُكَ يَا رَبُّ تُحَطِّمُ الْعَدُوَّ» (خر 15: 6). وتكثر الإشارات في سفر المزامير: «يَمِينُكَ تُصِيبُ كُلَّ مُبْغِضِيكَ»، و«قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: "اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ"»، وأيضًا: «فَهُنَاكَ أَيْضًا تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ»، وسواها كثير.

جَلس عن يمين الآب

وذكَّرَ بإشاراتٍ مشابهة ضمَّها العهد الجديد، «فوَرَد في سفر أعمال الرسل "إِذِ ارْتَفَعَ بِيَمِينِ اللهِ، وَأَخَذَ مَوْعِدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الآبِ". وأورد متّى كلمات الربّ قائلًا: "مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ"، وأيضًا أنّه: "يُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ"، و"ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي"، وسواها كثير».

 

وخلُص إلى القول: «استعار آباؤنا في الإيمان هذه الرمزيّة الروحيّة التي استخدمها ربّنا يسوع في الإنجيل عندما كتبوا قانون الإيمان في مَجْمَع نيقية عام 325، فذكروا أنّ ابن الله وكلمته المتجسِّد وحكمته الأزليّة المُساوي له في الجوهر، المسيح القائم من بين الأموات، بعد صعوده إلى السماء، "جَلسَ عن يمين الآب"، قاصدين أنّه نالَ موضع الحظوة والقدرة لدى الآب».