عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: رومي الهبر
رميش, السبت 23 مايو، 2026
في الجنوب اللبناني، لا تُختصر حكاية القرى المسيحية بشجاعة الأهالي وحدها، بل أيضًا بمبادرات جعلت البقاء ممكنًا وسط الحرب والمِحَن والخوف. في هذا الإطار، تبرز جمعية «نورج» التي سعت إلى مقاربة تطال الدورة الاقتصادية كاملة.
تعمل «نورج» على مساعدة هذه القرى ضمن ثلاث مراحل مترابطة. ترتكز المرحلة الأولى على المساعدات الإغاثية الأساسية، ودعم بقاء مخافر الدرك وعناصر قوى الأمن الداخلي، وتأمين وسائل اتصال عبر الأقمار الاصطناعية لربط الأهالي ببقية المناطق اللبنانية. وتتضمن المرحلة الثانية دعم ثماني مدارس لكي لا يخسر 2700 تلميذ سنتهم الدراسية، وصولًا إلى مرحلة ثالثة تهدف إلى إعادة تحريك الدورة الاقتصادية في خمس عشرة قرية جنوبية.
ببقاء المدرسة… تبقى العائلة
وقال رئيس منظمة «نورج» غير الحكومية، فؤاد أبو ناضر، لـ«آسي مينا» إنّ إبقاء المدارس مفتوحة في هذه القرى «قضية وجودية»، لأن دعم المدرسة يعني دعمًا مباشرًا للعائلة: «عندما تبقى المدرسة، تبقى العائلة، وعندما تبقى العائلة، تبقى القرية».
وشدّد أبو ناضر على أنّ التعليم يشكّل رأس مال لبنان التاريخي، قائلًا إنّ البلاد لا تملك ثروات طبيعية ضخمة، وإنّ «رأس مالها الحقيقي هو العلم والحرية». وذكّر بأنّ لبنان كان سبّاقًا في هذا المجال منذ «المجمع اللبناني» في العام 1736، حين أُقرّت إلزامية التعليم ومجانيته للذكور والإناث معًا.
وأوضح أنّ الجهد يتركّز على المساعدة في مجال تغطية الأقساط المدرسية للتلاميذ، لتخفيف العبء على الأهالي العاطلين من العمل منذ ثلاث سنوات، والإسهام في دعم رواتب المعلّمين كي يواصلوا رسالتهم.
وانطلقت المبادرة، في خطوة أولى، من مدرسة الراهبات الأنطونيات في بلدة دبل، على أن يُعمَّم هذا النموذج ليشمل المدارس الثماني في القرى الجنوبية الحدودية، في القطاعين الشرقي والغربي.
تحريك الاقتصاد
وتشمل المرحلة الاقتصادية أيضًا استكمال العمل في مستشفى عين إبل الذي يحتاج إلى تطوير وتجهيز ليصبح قادرًا على خدمة أبناء البلدة والقرى المحيطة. توازيًا، أطلقت «نورج» مبادرة تنموية تهدف إلى تأمين فرص مستدامة، تشمل الزراعة، والتصنيع الزراعي، والصناعات الصغيرة، والسياحة البيئية والدينية. في هذا الإطار، تساعد الجمعية المزارعين على تصريف محاصيلهم، وتأمين البذور والخبرات التقنية، إضافةً إلى توفير فرص عمل عن بُعد في مجالات مثل المحاسبة والترجمة والهندسة، ووظائف رقمية في البرمجة، لمساعدة الأهالي على البقاء في قراهم.
ما بعد «اليونيفيل»
لا يمكن فصل مساعدة هذه القرى عن مسألة الممرات الإنسانية التي تؤمَّن اليوم بمؤازرة الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل». في هذا السياق، ذكّر أبو ناضر بأنّ «الممرات الإنسانية منصوص عليها في القانون الدولي»، وهي أساسية لإيصال المساعدات وضمان تنقّل المدنيين. لكن مع الانتهاء المرتقب لمهمة «اليونيفيل» في نهاية العام، قال: «الاستعانة بقوة دولية لمؤازرة الجيش في مهماته أمر ضروري»، متحدثًا عن استعدادات تجري لنشر قوة أوروبية مشتركة مكان «اليونيفيل».
كلفة الصمود وخطر الرحيل
وعدّد أبو ناضر الصعوبات التي تواجه الأهالي في هذه القرى، وفي مقدّمها صعوبة التنقّل، وفقدان مقومات الحياة الأساسية وفرص العمل، إضافةً إلى الخوف على المستقبل.
وفي ظل غياب الحلول الفعلية، والحرب التي لا يبدو أنّ ثمة نهاية قريبة لها، باتت حياة الناس في القرى الحدودية شبيهة بـ«سجن كبير» حسب تعبيره. أما الخوف الأكبر فيبقى عامل الوقت؛ فالأهالي يملكون إرادة صمود «أسطورية»، لكنّ قدرة الإنسان على التحمّل تبقى محدودة، وقد يدفع استمرار الحصار غير المباشر بعضهم إلى الرحيل.
وشدّد أبو ناضر على أنّ الحضور المسيحي في جنوب لبنان «ليس عابرًا»، بل ضارب في عمق التاريخ، في أرضٍ وطئتها أقدام المسيح وارتبطت - حسب التقليد المسيحي - بأولى عجائبه في قانا. ورأى أنّ البقاء في هذه القرى يشكّل «شهادة إيمانية حيّة ومستمرة للمسيحية في مهدها الأول»، وهو ضمانة فعلية للحفاظ على التنوّع ومفهوم الدولة والشرعية في الجنوب. من هذا المنطلق، اعتبر أبو ناضر أنّ بقاء المسيحيين في أرضهم يحافظ على «لبنانية الأرض».
|