قناة عشتار الفضائية
 

تنصيب البطريرك الكلدانيّ… رموزٌ روحيّة في رتبةٍ طقسيّة تاريخيّة

 

عشتارتيفي كوم- آسي مينا/

 

بقلمجورجينا بهنام حبابه

بغداد, الثلاثاء 26 مايو، 2026

 

يترقّب أبناء الكنيسة الكلدانيّة الاحتفال بتنصيب بطريركهم الجديد بولس الثالث نونا في 29 مايو/أيّار الجاري، في رتبةٍ طقسيّة غنيّة بالرمزيّة الروحيّة ومفعمة بإرثٍ لحنيٍّ وليتورجيٍّ معبِّرٍ عن الخصوصيّة المشرقيّة للكنيسة الكلدانيّة.

يُحتَفَل بهذه الرتبة عادةً بمشاركة آباء السينودس الكلدانيّ جميعًا، فحضورهم يحمل معنًى كنسيًّا عميقًا، إذ يُجسّد الشركة الروحيّة في لحظة مفصليّة من حياة الكنيسة ويُعبِّر عن وحدة مصافها الأسقفيّ. «فلا يغيب إلّا غير المستطيع ومن يعوقه سببٌ قَهريّ كالمرض أو صعوبات السفر وما شابه»، كما بيَّنَ الأب سافيو حندولا، الكاهن في إيبارشيّة أربيل الكلدانيّة، في حديثه عبر «آسي مينا».

وفي شأن مُترئِّس الاحتفال، قال: «تاريخيًّا، لطالما ترأّسَ مطران أبرشيّة عيلام (بيت هوزاي) المندثرة، وموقعها اليوم ضمن حدود إيران الحاليّة، مراسمَ تنصيب البطريرك. لكنّ ثمّة تقليدًا جديدًا فَرضتهُ التحوّلات التاريخيّة والانتقالات الجغرافيّة واندثار أبرشيّاتٍ رئيسة قديمة أو اندماجها مع أخرى، يترأّسُ بموجبه  الرتبةَ المطران الأقدم رسامةً بين آباء السينودس الكلدانيّ».

 

الأوّل بين متساوين

وشرح أنّ انتخاب أحد الأساقفة بطريركًا في الكنيسة الكلدانيّة لا يُعدّ انتقالًا إلى درجة كهنوتيّة أعلى، لكنّه يقتضي، بحسب طقس الحبريّات الكلدانيّ، الاحتفال برتبة «السِّيمئيثا-ܣܝܡܬܐ-وضع اليد» علامةً على حلول الروح القُدُس وعمله في الكنيسة، والتماس النعمة الإلهيّة لتثبيت المختار في خدمته الجديدة، ليكون الأوّل بين متساوين، بالدرجة الأسقفيّة نفسها.

لذا، «يشرع الاحتفال وجميع آباء السينودس لابسين حُلَلَهم الأسقفيّة الكاملة، مع التاج والعكّاز والرموز الأسقفيّة كلّها، فيما يرتدي البطريرك المُنْتَخَب اللباس الكهنوتيّ العاديّ».

 

حلول الروح القدس

يركع البطريرك المُنتَخَب أمام المذبح ويضع المطارنة أيديهم على ظهره، ويُصلّون متضرّعين، طالبين حلول الروح القُدُس ليُرافقه ويمنحه قوّةً وحكمةً ومواهبَ تؤهِّله للخدمة والثبات في رسالته الجديدة رأسًا للكنيسة الكلدانيّة كلّها، بعد أن كان راعيًا لإحدى أبرشيّاتها، وفق حندولا.

وتابع: «بعدئذٍ، يرتدي البطريرك المُنتَخَب حلّته الحبريّة الكاملة، ويضع على صدره صليبًا، علامةً على دربه الشاقّ، وفي يده خاتمًا علامةً على سلطته وأمانته، وعلى رأسه تاجًا يُشير إلى ملوكيّةِ مَن دَعاهُ ومجدِهِ. ويُسلّمه المُترئّس العكّاز البطريركيّ، رمز الرعاية الأبويّة».

يَجمع الأرقذياقون الذي يكون عادةً الرئيس العام للرهبنة الأنطونيّة الهرمزديّة الكلدانيّة، عصيَّ المطارنة، فلا يبقى إلّا البطريرك وحده حاملًا عكّازه، في إشارةٍ رمزيّة إلى أنّ الرعيّة واحدةٌ والراعي واحدٌ، وأنّ الوحدة الكنسيّة تتمحور حول خدمة البطريرك داخل الشركة الكنسيّة.

واستطرد حندولا: «عقب ارتداء حلّته، يصعد البطريرك إلى المذبح، ويركع ثلاث مرّات أمامه، ثمّ يقبّله، علامة شكرٍ وتسليم حياته وخدمته لله. ثمّ يتقدّم الأساقفة لتقبيل يده، كونه خليفة الرسل ويحمل ملء الكهنوت، طلبًا للبركة وعلامةً على الطاعة والشركة الروحيّة الكنسيّة، وقد يتقدّم أيضًا الكهنة والدياقنة (الشمامسة)، كلٌّ بحسب رتبته».

ولفت حندولا إلى أنّ تقبيل اليَد ليس علامة طاعةٍ شخصيّة للبطريرك، إداريًّا أو سياسيًّا، بل إعلانًا لقبول رئاسته الكنسيّة بوصفه أبَ الآباء، والأمانة لوحدة الكنيسة البطريركيّة المرتبطة بالشركة الكبرى مع الكنيسة الكاثوليكيّة وبابا روما.

عقب التنصيب، ينطلق البطريرك في خدمته، راعيًا أوّلًا لكنيسته وأبنائها المؤمنين، وحافظًا وديعة الإيمان التي تسلّمتها الكنيسة من المسيح ورسله بالتواتر، وأمينًا للتعليم المسيحيّ الكاثوليكيّ، وملتزمًا ما وضعه الآباء من قوانين، ومُنتهجًا طريقة قيادةٍ ورعاية تختلف من بطريرك إلى آخر.

وختم حندولا مشدِّدًا على أنّ اتّحاد الكنيسة الكلدانيّة مع روما لم يفرض حضور فقرات طقسيّة لاتينيّة، بل تقتصر الرتبة على ما يُحدّده طقس كنيسة المشرق الكلدانيّة، بكلّ ما يتضمّنه من إرثٍ غنيّ.