عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
القامشلي, الاثنين 15 حزيران يونيو، 2026
في الذكرى الحادية عشرة بعد المئة لمجازر «سيفو» التي تصادف يوم الاثنين 15 حزيران، يستعيد السريان حول العالم واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخهم المعاصر، حين قُتل أكثر من نصف مليون سرياني، إلى جانب أرمن وروم ومسيحيين آخرين، في السنوات الأخيرة من عمر الدولة العثمانية.
ولم تقتصر المأساة على القتل الجماعي، بل شملت التهجير ونهب الممتلكات وتدنيس الكنائس وإجبار كثيرين على التنكر لإيمانهم، في محاولة لمحو الوجود المسيحي من موطنه التاريخي في شمال سوريا التاريخية (جنوب تركيا حاليًا).
لكن ذلك الهدف لم يتحقق بالكامل. فبعد أكثر من قرن على المجازر، لا يزال السريان حاضرين في أرض أجدادهم، بل تشهد مناطق طورعبدين ومحيطها في السنوات الأخيرة مؤشرات متزايدة إلى عودة أبناء هذا الشعب وإحياء قراه وكنائسه، رغم السياسات التي عززت الصبغة الإسلامية للدولة والمجتمع التركي منذ وصول رجب طيب أردوغان إلى السلطة.
آخر مظاهر هذه الصبغة كان قبل نحو أسبوعين عندما أحيا أردوغان ذكرى سقوط القسطنطينية (29 مايو/أيار 1453)، مقدمًا خطابًا شعبويًا وصف فيه إسطنبول بأنها كانت «محتلة من البيزنطيين» قبل أن «يحررها» السلطان العثماني محمد الثاني المُلقب بالفاتح. وأكد أن المدينة «ستبقى تركية ومسلمة إلى قيام الساعة».
في سياق متصل، أثارت السلطات التركية استياءً في الأوساط اليونانية والمسيحية بعدما أوقفت في أبريل/نيسان الماضي سائحين يونانيين داخل آيا صوفيا بسبب رفعهما علمًا مرتبطًا بالإمبراطورية البيزنطية والكنيسة الرومية الأرثوذكسية. ورغم أن الحادثة جرت في الشرفة العلوية المخصصة للسياح ولم تترافق مع هتافات أو نشاط احتجاجي بل كان هدفها التقاط صورة تذكارية، صدر بحقهما حكم بالسجن بتهمة «إهانة شريحة من المجتمع» مع وقف التنفيذ وبالتالي سمح لهما بمغادرة البلاد.
أما قبل أيام قليلة، فقد أثار رئيس بلدية نفشهير في منطقة كابادوكيا جدلًا جديدًا عندما رفع الأذان داخل كنيسة مريم العذراء بعد انتهاء أعمال ترميمها - والتي تدار من الدولة كمعلم سياحي - مبررًا الخطوة بأنها جاءت لاختبار توزيع الصوت داخل المبنى. وتزامنت هذه الحادثة مع قرار بإغلاق كنيسة العذراء مريم التاريخية في مدينة إيدِل (بيث زبداي) بحسب ما أفاد به موقع «سيرياك برس»، بحجة أعمال ترميم تعود إلى عام 2008، رغم تأكيد القائمين عليها أنها أُنجزت بموافقة الجهات الأثرية المختصة.
في المقابل، شهدت الأيام القليلة الماضية تطورات مختلفة تعكس استمرار الحياة السريانية في موطنها التاريخي. فقد كرّس مطران طورعبدين للسريان الأرثوذكس تيموثاوس صموئيل أكتاش كنيسة مار شمعون الزيتوني في قرية بنكلبه-طور عابدين، كما تابع مع مهندسين مختصين خطط ترميم كنيسة مار يعقوب النصيبيني التاريخية في نصيبين. كذلك زار وفد رسمي من أنقرة وماردين قرية عرنس السريانية تمهيدًا لإعادة إعمارها، في خطوة تهدف إلى تشجيع عودة السريان إليها بعد أن خلت منهم بالكامل عام 1990، مع خطط لبناء نحو عشرين منزلًا للعائلات الراغبة بالعودة.
وفي مؤشر إضافي إلى تنامي العمل المنظّم للدفاع عن الوجود السرياني، عقدت لجنة تنسيق قرى طورعبدين اجتماعها الثاني للبحث في قضايا الملكية والبنية التحتية والأراضي والأماكن الأثرية والحفاظ على الوجود السرياني في المنطقة، فيما قدّم ممثلو المجتمع السرياني في السويد ملفًا شاملًا إلى رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش يتضمن مطالب تتعلق بكشف جرائم قتل السريان، ومعالجة آثار التهجير القسري، وحماية الممتلكات، وتعويض المتضررين، وضمان الحقوق الثقافية واللغوية والدينية، وسط تعهد رسمي لناحية متابعة هذه الملفات ومناقشتها مع الجهات المختصة.
|