عشتار تيفي كوم - آسي مينا/
بقلم: سهيل لاوند
وسط حضور كنسيّ ورسميّ ودبلوماسيّ واسع، ترأّس بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الملكيّين الكاثوليك يوسف العبسي مساء أمس القدّاس الإلهيّ في كاتدرائيّة سيّدة النياح، حارة الزيتون-دمشق، بمناسبة تعيين المطران لويجي روبرتو كونا سفيرًا بابويًّا جديدًا لدى سوريا وتقديمه أوراق اعتماده رسميًّا.
في كلمة ترحيبية، أوضح العبسي أن السفير البابوي لا يمثل دولة الفاتيكان فحسب، بل يجسد أيضًا حضور الحبر الروماني وعنايته الأبوية بالكنائس والمؤمنين، معتبرًا أن هذا الحضور يعبّر عن وحدة الكنيسة الجامعة المنتشرة في العالم كله. وشدد على أن سفراء الكرسي الرسولي هم سفراء العدالة والمصالحة والحياة والكرامة الإنسانية والرجاء والفئات الضعيفة والمتألمة والمهمَّشة.
واستعرض البطريرك جانبًا من سيرة السفير الجديد، العلمية والدبلوماسية، لافتًا إلى إتقانه عددًا من اللغات، لكنه رأى أن اللغة التي يتقنها أكثر من غيرها هي «لغة المحبة»، إذ تتيح له الاقتراب من الناس وفهم أوضاعهم وخدمتهم. كذلك، توجه بالشكر إلى البابا لاوون الرابع عشر على هذا التعيين، معتبرًا أنه دليل إضافي على قرب الكرسي الرسولي من سوريا وأمله باستعادة البلاد أمنها واستقرارها وازدهارها.
من جهته، استهل كونا كلمته بشكر العبسي على تنظيم الاحتفال. واقتبس الكلمات التي نطق بها البابا لاوون الرابع عشر عقب انتخابه مباشرة: «السلام لكم». وأشار إلى رسالته العامة الأولى «الإنسانية الرائعة» التي تؤكد أن السلام ليس أملًا ساذجًا ولا مجرد غياب للحرب، بل ثمرة للعدالة والمحبة. وذكّر بتحذير البابا بشأن الاستسلام لفكرة أن الحروب قدر محتوم، ودعوته إلى اعتماد الحوار والدبلوماسية والمسامحة بوصفها السبل الفضلى لمعالجة النزاعات.
وتوقف السفير الجديد على ملف سوريا، كاشفًا أن البابا يفكر فيها بشكل خاص، ويدعو أبناءها إلى الصبر في الحوار، ويحضّهم على السعي إلى خير المجتمع بأسره. ونبّه كونا إلى أن الرغبة المشروعة في العدالة قد تتحول أحيانًا إلى تشدد وانتقام إذا لم يُرافقها روح الغفران. واستعاد في هذا السياق كلمات البابا القديس يوحنا بولس الثاني: «لا سلام بلا عدالة، ولا عدالة بلا مسامحة».
ورأى كونا أن الشعب السوري، المثقل بجراح الماضي وتداعياته المستمرة، يحتاج إلى أن يُضمد بزيت الرحمة والمسامحة، مستحضرًا صلاة القديس فرنسيس الأسيزي التي تدعو إلى زرع المحبة مكان البغض، والمغفرة مكان الإساءة، والوحدة مكان الانقسام. وشدد على أن مستقبل سوريا - بما تحمله من إرث حضاري وثقافي عريق - يبقى في أيدي أبنائها، داعيًا إلى النظر إلى الآخَر كشريك وأخ لا كخصم أو عدو.
وختم كونا كلمته بالإشارة إلى أن بناء السلام يحتاج إلى اتحاد الجهود ونزع «سلاح الكلمات» عبر قول الحقيقة والبحث عن حلول واقعية قابلة للتطبيق، مُبيّنًا أن الكرسي الرسولي مستعد للإسهام في كل ما يساعد على ولادة سوريا الجديدة، طالبًا في الوقت نفسه منح المؤسسات الحكومية الثقة في سعيها نحو بلد جامع يتساوى مواطنوه في الكرامة والحقوق.
|