عشتارتيفي كوم - ذا ناشيونال/
سنان محمود، 25 حزيران 2026
أعلن علماء آثار في محافظة نينوى العراقية عن اكتشاف مسلة آشورية نادرة تعود إلى عهد الملك آشوربانيبال، مما يسلط ضوءاً جديداً على الإنجازات العمرانية للعاصمة القديمة قبل نحو 2,600 عام.
وقالت مديرية آثار وتراث نينوى يوم الأربعاء إن البعثة الأثرية العراقية-الأمريكية المشتركة عثرت على هذا النصب عند "بوابة شمش" في السادس من حزيران. وتُعد هذه البوابة مدخلاً ذا أهمية استراتيجية في التحصينات الشرقية لمدينة نينوى القديمة، وكانت قد تعرضت لأضرار بالغة خلال احتلال تنظيم داعش بين عامي 2014 و2017.
وتشكل البوابة حالياً محور جهود الحفظ والترميم التي يقوم بها معهد دراسة الثقافات القديمة بجامعة شيكاغو بالشراكة مع باحثين عراقيين ودوليين.
وقال عالم الآثار رويد موفق إن المسلة تخلد المشاريع العمرانية والإنشائية التي نُفذت في نينوى خلال فترة حكم آشوربانيبال من عام 668 قبل الميلاد إلى 627 قبل الميلاد.
وأضاف موفق: "هذا الاكتشاف يمثل إضافة نوعية وهامة لسجل المكتشفات الأثرية التي تبرز عظمة الحضارة الآشورية وتطورها العمراني". كما وصف المسلة بأنها "واحدة من أهم القطع الأثرية التي تؤرخ لإنجازات أحد أعظم ملوك الإمبراطورية الآشورية".
يبلغ ارتفاع المسلة مترين وعرضها 1.55 متر، وتحمل منحوتات بارزة ونقوشاً مسمارية على وجهيها. يصور الوجه الأمامي الملك آشوربانيبال، بينما يظهر الوجه الخلفي إفريزين أصغر حجماً لملوك آشوريين. كما يحمل الظهر نصاً مسمارياً يُعتقد أنه يوثق أعمال البناء التي قام بها الملك في نينوى وأنحاء الإمبراطورية.
وقد نُقلت هذه القطعة الأثرية إلى مقر المديرية لإجراء عمليات الحفظ الأولي، تمهيداً لدراستها بالتفصيل ونشر نتائج البحث.
تراث الموصل المثخن بالجراح
يأتي هذا الاكتشاف بعد قرابة عقد من الزمن على تحرير الموصل، عاصمة نينوى، من تنظيم داعش. وخلال فترة احتلاله، هاجم التنظيم بشكل منهجي التراث الثقافي في شمال العراق كجزء من حملته الأيديولوجية.
حيث جرف مسلحو داعش أجزاءً من مدينة نمرود الأثرية، بما في ذلك قصر آشورناصربال الثاني، وفجروا أجزاءً من أسوار نينوى القديمة، بما في ذلك بوابتي "مشكي" و"أدد". وفي شباط 2015، بث التنظيم مقطع فيديو يظهر تدمير قطع أثرية آشورية أصلية في متحف الموصل باستخدام المطارق الثقيلة وآلات الثقب. كما نهب التنظيم المواقع الأثرية في جميع أنحاء نينوى وباع الآثار في السوق السوداء لتمويل عملياته.
عودة علم الآثار بعد التحرير
منذ تحرير الموصل عام 2017، عملت السلطات العراقية والشركاء الدوليون على توثيق الأضرار، واستعادة المواد المنهوبة، واستئناف عمليات التنقيب. وتركزت مشاريع الترميم على المدينة القديمة ومتحف الموصل والبوابات الرئيسية لنينوى، بما في ذلك بوابة شمش.
وتعمل البعثة العراقية-الأمريكية الحالية ضمن هذا الإطار، حيث تجمع بين ترميم المواقع المتضررة من الحرب والعمل الأثري الفعلي. ويقول مسؤولون إن المسلة عُثر عليها أثناء أعمال الترميم في المواقع التي تأثرت بمعارك عامي 2016 و2017.
ويمكن للسلطات أن تعرض المسلة إما في موقعها الأصلي أو في متحف الموصل الحضاري المقرر إنشاؤه، والذي يهدف إلى استعراض تاريخ المدينة العريق الممتد من العصور الآشورية حتى العصر الإسلامي.
إرث آشور في نينوى
كانت نينوى عاصمة الإمبراطورية الآشورية الحديثة وواحدة من أكبر مدن العالم القديم. وتحت حكم ملوك مثل سنحاريب وآشوربانيبال، تحولت إلى مركز للإدارة والقوة العسكرية والعلوم. واشتهر آشوربانيبال بتأسيس واحدة من أقدم المكتبات المعروفة في التاريخ، حيث جمع أكثر من 20,000 لوح مسماري غطت مجالات التاريخ والأدب والعلوم والدين.
ويمكن أن توفر النقوش الموجودة على المسلة أدلة إضافية على برامج البناء التي نفذها آشوربانيبال، والتي شملت توسيع أسوار المدينة والمعابد والقصور. وكانت هذه النصب تخدم أغراضاً عملية ودعائية في آن واحد، حيث تنشر السلطة الملكية أمام الرعايا والمبعوثين الأجانب.
بالنسبة للعراق الحديث، فإن هذا الاكتشاف يتجاوز كونه مجرد إنجاز أثري؛ فهو تذكير بدور نينوى كمهد للحضارة، واستمرارية الموصل كملتقى طرق ثقافي على نهر دجلة.
وقال السيد موفق: "يسلط هذا الاكتشاف الضوء على الازدهار الحضاري والعمراني الذي شهدته نينوى في العصر الآشوري"، مضيفاً أنه يعزز الأدلة على أن العديد من بوابات المدينة ومواقعها التاريخية تحتوي على نصب ملكية وإنشاءات هامة. |