قناة عشتار الفضائية
 

من جنوب آسيا إلى إفريقيا.. بعوضة ملاريا غازية تهدد 126 مليوناً

 

عشتارتيفي كوم- الشرق/

 

حذرت دراسة جينومية واسعة من خطر وبائي غير تقليدي قد يهدد نحو 126 مليوناً من سكان الحواضر الإفريقية؛ إثر تمدد بعوضة ملاريا غازية قادمة من جنوب آسيا عبر جيبوتي.

وكشفت الدراسة، المنشورة في دورية Science، أن البعوضة دخلت القارة السمراء قبل أن تنطلق منها موجات انتشار إلى السودان، وإثيوبيا، وكينيا، واليمن.

وتكمن خطورة بعوضة "أنوفيليس ستيفنسي" (Anopheles stephensi) في قدرتها الفريدة على التكاثر داخل الحاويات وخزانات المياه في المدن، بخلاف النواقل الإفريقية الريفية، فضلاً عن وصولها إلى القارة السمراء وهي مسلحة جينياً بمقاومة "أيضية" شرسة للمبيدات الحشرية التقليدية، ما قد ينقل معركة مكافحة الملاريا إلى جبهة حضرية جديدة تماماً.

 

بعوضة ملاريا غازية

وحلل فريق دولي من الباحثين 645 جينوماً كاملاً لبعوض "أنوفيليس ستيفنسي"، جُمعت من إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، في أول دراسة واسعة النطاق من هذا النوع لهذه البعوضة.

ووجد الباحثون أن البعوض الموجود في إفريقيا واليمن أقرب جينياً إلى تجمعات أفغانستان وباكستان منه إلى تجمعات الشرق الأوسط، ما يدعم فرضية أن أصل الغزو جاء من جنوب آسيا، وليس من شبه الجزيرة العربية كما طرحت بعض الفرضيات السابقة.

وتشير النتائج إلى أن جيبوتي كانت على الأرجح "نقطة ارتكاز" أولى للغزو في إفريقيا؛ فمن هناك، يبدو أن البعوض انتشر إلى شمال إثيوبيا ثم إلى جنوب شرق إثيوبيا وكينيا، كما عبر إلى اليمن.

أما تجمعات السودان فقد تكون جاءت من جيبوتي، أو من مصدر آسيوي قريب من المصدر نفسه.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية وبائية لأن جيبوتي تضم ميناءً رئيسياً على البحر الأحمر، وهو ممر ملاحي حيوي، ما يجعل مراقبة الموانئ ونقاط الدخول البحرية جزءاً أساسياً من أي استراتيجية للحد من انتشار البعوضة.

 

مسارات الانتشار

وقالت الدراسة إن مسارات الانتشار لم تكن متشابهة؛ ففي السودان، انتشرت البعوضة بسرعة وعلى نطاق واسع عبر تضاريس أكثر انبساطاً، إذ رصد امتدادها من بورتسودان إلى دارفور خلال سنوات قليلة.

أما في إثيوبيا وكينيا، فكان الانتشار أبطأ وأكثر تدرجاً، مع ظهور تجمعات جينية مميزة على طول الطريق، على ما يبدو بسبب تأثير المرتفعات الإثيوبية والتضاريس المعقدة.

وحذرت الدراسة من أن الطبيعة المنبسطة لمنطقة الساحل غرب السودان قد تجعلها ممراً محتملاً لانتشار أسرع نحو تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى وغرب إفريقيا، خصوصاً في ظل ضعف المراقبة في مناطق تتأثر بالنزاعات وانعدام الأمن.

 

مقاومة واسعة للمبيدات

ولا يقتصر الخطر على الانتشار الجغرافي؛ فقد وجد الباحثون أن البعوض الغازي يحمل مقاومة واسعة للمبيدات الحشرية المستخدمة في مكافحة نواقل الملاريا، بما في ذلك بعض المبيدات المستخدمة في الناموسيات المعالجة والرش الداخلي.

لكن الدراسة أوضحت أن هذه المقاومة لا تعتمد أساساً على الطفرات التقليدية في مواقع استهداف المبيدات، كما هو شائع في بعض أنواع البعوض الأخرى، بل تبدو مدفوعة بآليات "أيضية" أي بقدرة جينات معينة على تفكيك المبيدات أو تعطيل تأثيرها.

ورصد الباحثون تضخماً في نسخ عائلات جينية مرتبطة بإزالة السموم داخل البعوضة، ما قد يمنحها قدرة أكبر على النجاة بعد التعرض للمبيدات.

وتشير التحليلات إلى أن بعض عناصر المقاومة ربما دخلت مع البعوض من آسيا بدلاً من أن تتطور محلياً بعد وصوله إلى إفريقيا. وهذا يعني أن البعوضة وصلت إلى بيئتها الجديدة وهي تحمل بالفعل جزءاً من أدوات البقاء أمام برامج المكافحة التقليدية.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج يمكن أن تساعد في بناء نظام مراقبة جينية سريع لرصد مصدر أي ظهور جديد للبعوضة، ومعرفة ما إذا كان امتداداً للجبهة الغازية في القرن الإفريقي أو نتيجة دخول مستقل من منطقة أخرى. كما يمكن أن تساعد في تطوير اختبارات منخفضة التكلفة لتحديد جينات المقاومة واختيار المبيدات، أو أدوات المكافحة الأنسب.

وقالت الدراسة إن السيطرة على هذا الناقل الغازي ستحتاج إلى تنسيق إقليمي وقاري، مع تركيز خاص على الموانئ، وممرات الانتشار عالية الخطورة، ومراقبة مقاومة المبيدات.