عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: جورجينا بهنام حبابه
بغداد, السبت 27 يونيو، 2026
لطالما راودَ حلمُ الوحدة الكنائسَ الوليدة من رحم كنيسة المشرق العريقة، والمساعي الحثيثة متواصلةٌ لبلوغ هذا الهدف السامي، متى ما شاءت العناية الإلهيّة تحقيقه. حتّى ذلك الحين، ما انفكّت الكنائس الشقيقة متعاونةً، باذلةً قصارى الجهود لخدمة البشرى السارّة وخير مؤمنيها، رغم التحدّيات المتصاعدة، لا سيّما في مهدها ومنشئها؛ بلدان الشرق الأوسط.
في خضمّ هذه الأحداث المتسارعة التي تشهدها المنطقة وهي تعيش مرحلةً دقيقة من تاريخها، والمتزامنة مع انتخاب بطريركٍ جديدٍ للكنيسة الكلدانيّة وتنصيبه، حاورت «آسي مينا» الجاثليق آوا الثالث بطريرك كنيسة المشرق الآشوريّة، بغية تسليط الضوء على العلاقات التاريخيّة بين الكنيستَين، واستشراف آفاق المستقبل وسط التحدّيات الراهنة التي يعيشها مسيحيّو العراق والشرق.
انطلاقة جديدة
عدَّ آوا الثالث انتخابَ بولس الثالث نونا بطريركًا، تدشينًا لانطلاقةٍ جديدة في تاريخ الكنيسة الكلدانيّة الحديث، بعد سنوات من الصراعات، لا سيّما ذات الطابع السياسيّ، مؤكِّدًا «الالتزام الراسخ لناحية توطيد التعاون الوثيق بين كنيستَينا الشقيقتَين اللتين تجمعهما تقاليد وتاريخ وطقوس وتراث مشترك، لأجل خير المؤمنين، الآشوريّين والكلدان، في الوطن والانتشار على السواء».
العناية الإلهيّة
ورأى البطريرك الآشوريّ أنّ العناية الإلهيّة التي اختارت أن يحملَ جثالقةُ الكنائس الثلاث المنتمية إلى كنيسة المشرق الواحدة، لقبَ الثالثِ في اسمِهم البطريركيّ، تمنح ثلاثتهم فرصة توطيد التعاون وتعزيز التنسيق بين كنائسهم في شكلٍ فعّال وعمليّ. وقال: «إلى جانب هذا القاسم المشترك الذي يُقرّبنا بعضنا من بعضٍ، بصفتِنا إخوة في الخدمة والإيمان، فثلاثتنا سبقتْ لنا خدمةُ كنائسنا ومؤمنينا في الانتشار، لذا ندرك جيّدًا احتياجاتها وتحدّياتها».
عطيّة الرّوح القُدُس
وبشأن الخطوات العمليّة الممَهِّدة لتحقيق وحدة كنيسة المشرق، المنشودة دومًا، كنسيًّا وشعبيًّا، إزاء تحدّيات تاريخيّة ولاهوتيّة ورعويّة عدّة، قال إنّ «وحدة الكنائس الشقيقة هي أوّلًا وقبل كلّ شيء عطيّةٌ يهبُها الرّوح القُدُس، بجانب كونها خبرةً روحيّة حيّة، يتطلَّب عيشها صلاةً لا تنقطع وتأمّلًا روحيًّا عميقًا وتعاونًا أخويًّا صادقًا».
وأمِلَ آوا الثالث أن يجمع لقاءٌ قريب البطاركة الثلاثة لمناقشة سبل التعاون الرعويّ والقوميّ، ووضع خريطة طريق تعزّز التعاون العمليّ بين كنائسهم في القضايا المشتركة، في الوطن والانتشار. وتابع: «ثقتي أكيدةٌ بأنْ يُسهم تعاوننا في القضايا الاجتماعيّة والتحدّيات السياسيّة التي تواجه أبناءنا في الوطن، في تثبيتهم في أرض الآباء والأجداد، والحفاظ على حضورنا وهويّتنا».
الهجوم الإعلاميّ على الكنيسة وقادتها
مع تعاظم سلطة وسائل الإعلام وهيمنتها في عالم اليوم، يشتدّ تأثيرها في المجتمع عمومًا وفي حياة الكنيسة، وتضع قادتها في مرمى النيران. «لكنّ حرّية التعبير المكفولة لجميعها لا تعني توظيف هذه الحرّية دون مراعاة المعايير الأخلاقيّة والإنسانيّة في خطابها، سواء أكان دينيًّا أم علمانيًّا»، بحسب آوا الثالث.
ودعا وسائلَ الإعلام إلى التزام خطابٍ حضاريّ محترم، هدفه الأسمى نشر الحقيقة وخدمة المجتمع، واجتناب إثارة الجدل العقيم والنقد الهدّام، «فما تشهده بعض منصّات التواصل الاجتماعيّ أحيانًا من حملاتِ تجريحٍ ومهاجمةٍ بحقّ شخصياتٍ كنسيّة وقياداتٍ روحيّة، تنزلق أحيانًا إلى مهاوي خطاب الكراهية والتشهير بهم على حدٍّ سواء، لا تفتقر إلى الدقّة والموضوعية فحسب، بل هي بعيدةٌ من الفضائل المسيحيّة والقِيَم الأخلاقيّة».
العودة إلى الينابيع
وأكّد البطريرك الآشوريّ أنّ فصلًا جديدًا شرع في تاريخ كنيسته، وروحًا جديدًا نُفِخَ في قلوب المؤمنين مع عودة الكرسيّ البطريركيّ لكنيسة المشرق الآشوريّة في العام 2015 إلى الوطن، بعد ثمانية عقودٍ ونيّف من الاغتراب. وقال: «قرَّبَت العودةُ إلى أربيل كنيستَنا من جذورها المشرقيّة الموغلة عميقًا في بلاد النهرين، كواحدةٍ من أعرق الكنائس الرسوليّة وأقدمها. ورغم ما يفرضه ذلك من مصاعب في إدارة أبرشيّات الانتشار، حيث تعيش الغالبيّة العظمى من مؤمني كنيستنا، فإنّه عزَّزَ شعورها بالانتماء إلى تقاليد الكنيسة وتراثها الروحيّ ورسّخ ارتباطها بأرضها وجذورها التاريخيّة».
توثيق التعاون وتوحيد الجهود
ورأى أنّ واقع الكنائس في الوطن والشرق عمومًا، على اختلاف انتماءاتها الكنسيّة، يفرض عليها تعاونًا أوثق لخير مؤمنيها ومستقبلهم. وشدّد على أنّ مواجهة التحدّيات الراهنة، ولا سيّما الهجرة وصَوْن وديعة الإيمان والحفاظ على الهويّة الكنسيّة والقوميّة، تستدعي اهتمامًا وتعاونًا مشتركَين وتتطلّب تنسيقًا بين الكنائس لإيجاد حلول ناجعة تُسهم في صون حضور مسيحيّي الشرق والحفاظ على إرثهم الروحيّ والتاريخيّ.
قلق عميق إزاء أحداث إيران
وأعرب آوا الثالث عن قلقه العميق إزاء الحرب الدائرة حاليًّا في المنطقة، «لا سيّما إزاء مصير أبنائنا في إيران الواقعين تحت تأثيرها المباشر»، مشيرًا إلى أنّ مآلاتها لا تزال غير واضحة في هذه المرحلة. وأوضح أنّ كنائس المنطقة جميعها تتابع بقلق بالغ تداعيات هذه الحرب، «فالنزاعات العسكريّة تخلّف دائمًا عواقب وخيمة على المكوّنات الصغيرة، ومنها مسيحيّو الشرق. لكنّ صلواتنا لا تنقطع كي تضع الحرب أوزارها في أقرب وقت، وتُسْكِت لغةُ الحوار والتفاهم دويَّ السلاح».
مدعوّون إلى المساندة
إلى جانب الحروب المتعاقبة، تسبّبت المصاعب الاقتصاديّة المتفاقمة وعدم الاستقرار الاجتماعيّ والتحدّيات الأمنيّة المتواترة، في نزيف هجرةٍ مؤلمٍ عانته كنائس الشرق جميعها، لا سيّما فئة الشباب. ومع تجدّد الحرب، أمِل آوا الثالث أن يُدرك مسيحيّو العالم معاناة أقرانهم في الشرق ويَعُوا حجم التحدّيات التي يواجهونها، ويجتهدوا في مساندتهم للحدّ من استمرار موجات الهجرة، لا سيّما من العراق، داعيًا المجتمع الدوليّ إلى الاضطلاع بدوره في معالجة أسبابها الاقتصاديّة والأمنيّة، عبر تبنّي مبادرات عمليّة تُسهم في توفير مقوّمات العيش الكريم في وطنٍ آمن.
|