عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: جورجينا بهنام حبابه
أربيل, الثلاثاء 30 يونيو، 2026
يحتفظ الخطّ الإسطرنجيليّ بأهمّيةٍ كنسيّة ورمزيّة تاريخيّة عميقة، كونه أصل الخطوط السريانيّة جميعها، وبه حُفِرَت النقوش وكُتِبَت المخطوطات في المراحل الأولى لانبثاق السريانيّة، ورغم كونه أقلّ استعمالًا اليوم من الخطّين الشرقيّ والغربيّ المنبثقين منه، يبقى جامعًا الكنائس ذات التراث السريانيّ، وشاهدًا على جذر واحد، ومثيرًا تساؤلاتٍ عدّة.
يتردَّد كثيرًا لدى الشرقيّين، شعبيًّا وكنسيًّا، تفسير تسمية هذا الخطّ «إسطرنجيليّ» بـ«سرطا دايوانجِليون»، ومعناه: سطر الإنجيل أو كتابته أو خطّه، فهل لهذا التفسير أصلٌ علميّ؟ رأى الأنبا د.سامر صوريشو، الرئيس العام للرهبنة الأنطونيّة الهرمزديّة وأستاذ اللغة السريانيّة في جامعة صلاح الدين-أربيل، التفسير جميلًا ونابعًا من رغبةٍ في منح الخطّ قيمة وهيبة إضافيّتَين، لكنّه مقحم ولا يسنده أساس علميّ.
وشرح في خلال حديثه عبر «آسي مينا» أنّ كلمة «إسطرنجيليّ» تصف شكل الخطّ وليس لها أيّ رابط لاهوتيّ بالإنجيل وكتابته. وتابع: «فكلمة الإنجيل في السريانيّة مأخوذة من اليونانيّة، وتركيب الكلمتين مع بعضهما في السريانيّة لن يؤدّي إلى كلمة إسطرنجيليّ. والأصحّ ردّ الكلمة إلى أصلها اليونانيّ (سترونجيلي) στρογγυλη ومعناه المدوَّر أو المائل، نسبةً إلى شكله الهندسيّ البعيد عن الانكسارات الحادّة».
أصل الخط الكوفيّ العربيّ
وعن الاعتقاد بأنّ الخطّ الكوفيّ العربيّ مستنبَطٌ مباشرة من الإسطرنجيليّ، بيَّنَ صوريشو أنّ باحثين كُثُرًا أكّدوا أنّ الخطّ الكوفيّ متطوّرٌ مباشرةً عن خطّ الآراميّة النبطيّة، لهجة الآراميّين الأنباط. لا يوجد دليل علميّ قاطع يُثبت استنباط الكوفيّ العربيّ مباشرة من السريانيّ الإسطرنجيليّ.
وشرح أنّ النبطيّ والإسطرنجيليّ كلاهما يشتركان في كونهما متطوّرَين عن الآراميّ المربّع، ومثلهما معظم الخطوط العربيّة. وتطوُّرهما عن الأصل نفسه، لا عبر اشتقاقٍ مباشر، بل عبر الأصل الواحد، جعلهما يتشابهان بصريًّا في شكلٍ هندسيّ يوحي بتشاركهما مناطق جغرافيّة متقاربة، فأحدهما تطوّر في الرُّها والآخَر في بلاد الأنباط، ما جعلهما كأبناء العمّ في عائلة لغويّةٍ واحدة.
وذكّر صوريشو بأنّ الخطّ الآراميّ المربّع المستخدَم لدى اليهود في الكتابات العبريّة، تطوَّر بدوره عن الكنعانيّة الأولى الصوريّة منذ القرن التاسع الميلاديّ، وظهر واضحًا في الفترة الملكيّة وبه كُتِبَ سفر دانيال وآيات من سفرَي عزرا ونحميا. وشاع استخدامه لدى شعوبٍ عدّة لتكتب به لغاتها المختلفة، وهو أساسٌ مشترَك لخطوطٍ أخرى تطوّرت عنه.
|