قناة عشتار الفضائية
 

البرلمان الأوروبي يتلقى تحذيرات صادمة حول أوضاع مسيحيي العراق.. ومبادرة التضامن المسيحي تطالب بتدخل فوري

 

عشتارتيفي كوم- سيرياك برس/

 

بروكسل — حذّر قادة مسيحيون وناشطون في مجال حقوق الإنسان أعضاء البرلمان الأوروبي من أن الطوائف المسيحية العريقة في العراق لا تزال تواجه ضغوطاً شديدة، رغم الهزيمة العسكرية التي ألحقت بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الإرهابي. ودعوا المؤسسات الأوروبية إلى اتخاذ خطوات ملموسة لحماية واحدة من أقدم التجمعات المسيحية في العالم.

جاء هذا النداء خلال اجتماع عُقد في 18 حزيران للجنة البرلمان الأوروبي المعنية بالمسيحيين في الشرق الأوسط، وهي منتدى رسمي يضم نواباً من مختلف التيارات السياسية، ويعنى بحماية الأقليات الدينية، ومتابعة أوضاع حقوق الإنسان، والدعوة إلى استمرارية الوجود المسيحي التاريخي في دول مثل سوريا والعراق ولبنان. وخلال الاجتماع، قدّمت منظمة “التضامن المسيحي الدولي”، ومقرها سويسرا، تقييماً موسعاً للتحديات التي يواجهها المسيحيون في العراق.

وجاء في كلمة أمام البرلمان الأوروبي كل من جويل فيلدكامب، مسؤؤلة المناصرة العامة في المنظمة، وباسكال وردا، وزيرة الهجرة والمهجرين العراقية السابقة ومؤسسة منظمة “حمورابي” لحقوق الإنسان، وهي شريك طويل الأمد للمنظمة في العراق.

واستعرض فيلدكامب تاريخ الطوائف المسيحية في العراق، واصفاً إياها بأنها من الأقدم في العالم، حيث تمتد جذورها لنحو ألفي عام. وأشار إلى أن غالبية المسيحيين العراقيين ينحدرون من شعوب المنطقة الأصلية، ومن بينهم الشعب الكلداني السرياني الآشوري والأرمن، وما زالوا يحافظون على تراثهم اللغوي والديني والثقافي.

وأكد أنه رغم تعرض المسيحيين لفترات من الاضطهاد عبر تاريخ العراق الحديث، بما في ذلك في عهد صدام حسين، إلا أن عددهم بلغ نحو 1.5 مليون مسيحي في عام 2003، ما جعل العراق واحداً من أكبر التجمعات المسيحية في الشرق الأوسط.

وبحسب فيلدكامب، فإن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق عام 2003 غيّرت هذه المعادلة بشكل جذري. فقد أدى انهيار سلطة الدولة وما تلاه من عنف طائفي إلى تعريض الطوائف المسيحية لهجمات ممنهجة من قبل كل من التنظيمات الجهادية السنية والميليشيات الشيعية. وأسفرت تفجيرات الكنائس والاغتيالات المستهدفة وعمليات الاختطاف والنزوح القسري عن تهجير مئات الآلاف من المسيحيين من منازلهم خلال العقد التالي. وتُعد مجزرة كنيسة “سيدة النجاة” السريانية الكاثوليكية في بغداد عام 2010، والتي راح ضحيتها 58 مصلياً خلال القداس، واحدة من أكثر الهجمات دموية ضد الطائفة المسيحية في العراق.

وأدى ظهور تنظيم “داعش” عام 2014 إلى تسريع وتيرة النزوح بشكل أكبر. فبعدما سيطر التنظيم على الموصل ومنطقة سهل نينوى، التي تُعتبر المعقل التاريخي للمسيحية العراقية، فرّ نحو 200 ألف مسيحي خلال وقت قصير جداً. كما اختطف التنظيم نساء مسيحيات، ونفذ حملات إبادة جماعية ضد الطائفة الإيزيدية شملت عمليات إعدام جماعي واستعباد قسري وفظائع واسعة النطاق.

ورغم فقدان التنظيم لسيطرته على الأراضي العراقية عام 2017، شدد فيلدكامب على أن أمن ومستقبل الطوائف المسيحية لا يزالان يكتنفهما غموض كبير. وحدد تحديين رئيسيين يواجهانهما اليوم: الأول هو التنافس السياسي والإقليمي المستمر بين بغداد وحكومة إقليم كوردستان بشأن سهل نينوى، والثاني ما وصفه باستمرار ثقافة التمييز الديني المتأصلة في القانون والمجتمع العراقيين.

وقال إن المسيحيين في شمال العراق يجدون أنفسهم غالباً بين سلطات عسكرية وسياسية متنافسة، تشمل القوات الاتحادية العراقية وقوات الأمن الكوردية وقوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران. وما زالت تقارير عن مصادرة الأراضي والمضايقات والقيود على حقوق الملكية تعيق جهود النازحين المسيحيين لإعادة بناء مجتمعاتهم.

وانتقد فيلدكامب أيضاً النظام السياسي العراقي، مشيراً إلى أنه رغم تخصيص مقاعد برلمانية للمسيحيين رسمياً، فإن كل من الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم تمارسان نفوذاً كبيراً على التمثيل السياسي المسيحي من خلال أحزاب سياسية موالية لهما.

ومن بين المخاوف القانونية التي أثارها التقرير، المادة 26 من قانون البطاقة الوطنية العراقية، التي تنص على تسجيل الأطفال كمسلمين تلقائياً إذا اعتنق أحد الوالدين الإسلام. ووصفت المنظمة هذا البند بأنه شكل من أشكال التحويل القسري للدين يؤثر على آلاف العائلات المسيحية.

كما أشار التقرير إلى إجراءات أخرى اعتُبرت تمييزية، بما فيها القيود المفروضة على بيع المشروبات الكحولية التي تؤثر بشكل غير متناسب على الأعمال التجارية المسيحية، فضلاً عن قرارات محلية تحد من الاحتفالات العامة بعيد الميلاد في بعض مناطق العراق.

وخلال الجلسة، دعت المنظمة المؤسسات الأوروبية إلى حث كل من الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان على تنفيذ إصلاحات تهدف إلى حماية الطوائف المسيحية. وشملت توصياتها إلغاء المادة 26 من قانون البطاقة الوطنية، وتعزيز حماية حقوق الملكية المسيحية، وضمان الاستقلال المؤسسي للكنائس العراقية، وإصلاح الآليات الانتخابية لضمان تمثيل مسيحي حقيقي، وتعزيز التواصل مع منظمات المجتمع المدني المسيحية المحلية، ولا سيما منظمة “حمورابي” لحقوق الإنسان.

واختتم فيلدكامب كلمته بالإقرار بحالة عدم اليقين التي تواجه مسيحيي العراق، لكنه شدد على تصميمهم على البقاء في أرض أجدادهم، قائلاً: “مستقبل المسيحيين في العراق غامض للغاية، لكنهم لم يفقدوا الأمل بعد. إنهم يصمدون، ويستحقون دعمنا”.

وقبل اختتام كلمته، لفت فيلدكامب الانتباه أيضاً إلى قضية القائد المسيحي السوري سليمان خليل، رئيس بلدية صدد السابق، الذي نظم الدفاع الناجح عن بلدته ضد تنظيم “داعش” عام 2015. وأخبر النواب أن خليل لا يزال محتجزاً دون توجيه تهم رسمية منذ اعتقاله من قبل السلطات السورية قبل أكثر من عام، داعياً إلى اهتمام دولي بقضيته.

شكلت هذه المداخلة جزءاً من حملة دعوية أوسع للمنظمة تهدف إلى رفع الوعي حول التحديات المستمرة التي تواجه الطوائف المسيحية وغيرها من الأقليات الدينية في العراق ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام.