عشتارتيفي كوم - شفق نيوز
1 تموز يوليو 2026
عند السير بين أطلال مدينة نمرود، العاصمة الآشورية القديمة في محافظة نينوى العراقية، توقفت عدسة وكالة "شفق نيوز" لتأمل ما تبقى من واحدة من أعظم الحضارات في التاريخ. على اليمين، وقف تمثال الثور المجنح متحدياً مرور الزمن؛ وفي الأمام تقع قاعة عرش الملك آشور ناصربال الثاني، التي كانت تصطف فيها يوماً ألواح حجرية منحوتة تسجل معاركه، ومشاريعه العمرانية، والوفود الأجنبية التي استقبلها.
تعرضت نمرود للقصف والنهب على يد تنظيم داعش، الجماعة المتشددة التي استولت على أجزاء واسعة من العراق وسوريا بين عامي 2014 و2017، ومع ذلك لا تزال آثار تلك الحضارة مبعثرة بين الركام، لتروي قصة شعب حافظ على تراثه عبر القرون. وأبرز ما يلفت الانتباه هو المنحوتات على الحجر والنقوش التي لا تزال حية وواضحة رغم مرور السنين.
وقال رويد موفق، مدير دائرة الآثار والتراث، لوكالة شفق نيوز إن نمرود، التي تقع على الضفة الشرقية لنهر دجلة، على بعد نحو 35 كيلومتراً (22 ميلاً) جنوب الموصل، تصنف بين أهم مدن العراق القديم. وقد كانت العاصمة الثانية للإمبراطورية الآشورية في عهد الملك آشور ناصربال الثاني في القرن التاسع قبل الميلاد، حيث شكلت مركزاً سياسياً وعسكرياً رئيسياً للدولة الآشورية.
وذكر موفق أن المدينة لحقت بها أضرار جسيمة أثناء سيطرة داعش على المنطقة بين عامي 2014 و2016، عندما دمر التنظيم قصورها وتماثيلها الأثرية بالمتفجرات والجرافات —وعلى رأسها الثيران المجنحة والمنحوتات في القصر الشمالي الغربي— مما ألحق خسائر فادحة بالتراث العراقي والعالمي.
وأضاف: "تعد نمرود أحد أكثر المواقع الأثرية المعترف بها دولياً في العراق، وتُعرض مقتنيات من المدينة في 76 متحفاً حول العالم"، مشيراً إلى أن منحوتاتها تمثل ذروة الفن الآشوري في الدقة والحرفية على حد سواء.
ووفقاً لموفق، شهد الموقع أعمال تأهيل واسعة النطاق في السنوات الأخيرة بدعم من منظمات دولية، مما ساعد في تدريب متخصصين عراقيين وتوفير معدات لأغراض الصيانة والتوثيق. ومع ذلك، لا تزال أجزاء من المدينة بحاجة إلى مزيد من أعمال البنية التحتية قبل أن تتمكن من فتح أبوابها بالكامل أمام الزوار.
وتضم نمرود عدة قصور آشورية رئيسية، من بينها القصر الشمالي الغربي للملك آشور ناصربال الثاني، وقصور شلمنصر الثالث، وأداد نيراري، وتغلات بلاصر الثالث، وسرجون، وأسرحدون، إلى جانب القصر الجنوبي الشرقي للملك آشور إيتيل إيلاني. كما يحتوي الموقع على زقورة المدينة الشهيرة، ومعابد مخصصة للآلهة نبو، ونينورتا، وعشتار، وكولا، بالإضافة إلى حصن شلمنصر، وهو أكبر مبنى في المدينة القديمة.
من جانبه، قال الباحث الأثري قيس رشيد لوكالة شفق نيوز إن اللقطات التي بثها تنظيم داعش لمقاتليه وهم يحطمون آثار الموصل كانت من بين أكثر المشاهد إيلاماً، ليس لعلماء الآثار فحسب، بل لجميع العراقيين الذين شاهدوا جزءاً من ذاكرتهم التاريخية يُستهدف أمام العالم.
وأضاف رشيد: "الألم الحقيقي جاء عندما وقفت بنفسي أمام هذا الدمار، أسير بين الأنقاض، وأتفحص ما تبقى من المنحوتات التي كانت تزين القاعات الملكية، لأعثر على كسرة حجرية مكسورة تحمل جزءاً من صورة ملك آشوري يجلس على عرشه. رفعتها بعناية، وتأملتها طويلاً، ثم أعدتها إلى مكانها لأستعيد بعض الكرامة التي سُلبت من التاريخ".
وأشار رشيد إلى أن نمرود هي واحدة من أربع عواصم آشورية تاريخية، إلى جانب آشور، ونينوى، وخرسباد، وكانت من بين أهم المراكز السياسية والثقافية في الإمبراطورية. وأوضح أن مقاتلي داعش قطعوا العديد من الألواح الحجرية بمناشير كهربائية لسرقة أجزاء منها وتهريبها، وفجروا كل ما لم يتمكنوا من نقله باستخدام البراميل المتفجرة، وقاموا بتصوير الدمار لأغراض الدعاية. ولم تقتصر الحملة على نمرود بل امتدت إلى مرقد النبي يونس، ومنارة الحدباء، والعديد من المواقع الأخرى في محافظة نينوى، إلى جانب عمليات نهب منظمة.
واعتبر أن الأيديولوجية المتطرفة التي تقف وراء داعش تعاملت مع الحضارات القديمة على أنها "شركية" وبالتالي تجب إبادتها، وهو نفس المنطق الذي طبقه التنظيم سابقاً في تدمر السورية قبل استيلائه على الموصل. وأضاف أن الاتجار بالآثار كان ثاني أكبر مصدر لتمويل داعش بعد النفط، حيث كشفت التحقيقات عن شبكة أنفاق واسعة تحت مرقد النبي يونس ومواقع أخرى كانت تستخدم للحفر غير القانوني والتهريب، إلى جانب انتهاكات مماثلة في الأنبار وكركوك وصلاح الدين. |