قناة عشتار الفضائية
 

تكريت… حاضرة السريان ومقرّ الكرسيّ المفريانيّ العريق

 

عشتار تيفي كوم - آسي مينا/

بقلم: جورجينا بهنام حبابه

تخبرنا المصادر التاريخيّة أنّ «تكريت» كانت مستوطنة بالاسم عينه منذ الأزمنة البابليّة والآشوريّة. «هي مدينة موغلة في القِدم، ولا أحد يستطيع تحديد بداية وجودها على الأرض... وَرد ذكرها مع قلعتها المنيعة في المدوّنات المسماريّة للملك الآشوريّ توكولتي نينورتا الثاني بالصيغة الآشوريّة (بيرتو)، وفي مدوّنات الملك البابليّ نبوخذنصّر الثاني بصيغة (تك-ري-أي-تا، تكريتا)».

وتطرَّق الأب سهيل قاشا في كتابه «تكريت: حاضرة الكنيسة السريانيّة» إلى اختلاف المؤرّخين في سبب تسميتها، شارحًا أنّ الأب لويس شيخو اليسوعيّ ربطه باسم «دجلة» اليونانيّ، وتبنّى رأيه «الأب أنستاس الكرمليّ وبعده المطران بولس هندو، فتكريت عنده هي مختصر كلمتين لاتينيّتَين: كاسيليوم تكريديس... فإذا تُرجم إلى العربيّة فمعناه: قلعة دجلة».

القدّيس توما في تكريت

 انفرد المفريان ابن العبريّ بذكر عبور القدّيس توما الرسول من تكريت «عام 12 للصعود-قرابة 46 ميلاديّة، وهو في طريقه إلى بلاد الهند، وقد نصّر فيها شخصًا اسمه برحذبشبا وعائلته، وجماعة من السكّان»، في تقليدٍ وصفه قاشا بالأسطوريّ، وأردف: «في الواقع، نجهل متى قَبِلَ سكّان تكريت المسيحيّة».

غدت تكريت عاصمة السريان الروحيّة وحاضرة الرئاسة الكنسيّة منذ أن استُحدِثَت فيها عام 629 الجَثْلَقة «التي عُرِفَت مع مار ماروثا التكريتي (628- 649) بالمفريانيّة»، وبقيت كذلك حتى عام 1156.

والمفريان رتبةٌ كنسيّة رفيعة في الكنيسة السريانيّة (الأرثوذكسيّة) تلي البطريرك، وترجمتها العربيّة تعني المُثمِر. يتولّى إدارة شؤون الكنيسة في المشرق، في البلاد الواقعة تحت سلطة الإمبراطوريّة الفارسيّة، بينما مقرّ الكرسيّ البطريركيّ في أنطاكيا ضمن حدود الدولة البيزنطيّة.

مدارسها وكنائسها

يُجمِع المؤرّخون على أنّ تكريت ضمّت كنائس وأديرةً أشهرها كنيسة مار أحودامه المعروفة بالكنيسة الخضراء، وكنيسة القدّيس جرجيس، وكنيسة الشهيدَين سرجيس وباخوس، وكنيسة القلعة، إلى جانب أديرةٍ عدّة، منها دير العذارى، ودير صبّاعي، ودير العجّاج، ودير مار يحنا.

اشتهرت تكريت أيضًا بمدارسها السريانيّة التي «كانت منارات علم ومعرفة، تخرّج فيها مترجمون وأطبّاء وفلاسفة وعلماء لاهوت، ولقد أزهر وجودها الحيويّ في تكريت أيّام كونها أحد المراكز الثقافيّة... نذكر منها: مدرسة أوينا، مدرسة جبلتا، مدرسة دير العذارى، مدرسة مارن عمّا، مدرسة باباي الجبيلتي».

استمرّ الحضور المسيحيّ في تكريت بعد الفتح الإسلاميّ لتكريت عام 637، بل واصلت كنيستها ومفريانيّتها ومؤمنوها دورهم الفاعل في ازدهارها وتطوّرها، فاستحقّت أن يذكرها مؤرّخون عرب عدّة، مدوّنين ذكرياتهم وانطباعاتهم عن زيارتها، ومنهم: الطبريّ، المقدسيّ، ابن حوقل، ابن جبير، ياقوت الحمويّ، ابن الأثير وابن بطّوطة.

وكانت الحقبة بين الجيل التاسع والحادي عشر الميلادي تمثّل الحقبة الذهبيّة لتكريت المسيحيّة. لكنّها تراجعت تدريجيًّا نتيجة الحروب والاضطرابات السياسيّة، ولا سيّما بعد الغزو المغوليّ وما تبعه من تدهور الأوضاع الأمنيّة، الأمر الذي أدّى إلى انتقال مقرّ المفريانية تدريجيًّا إلى مناطق أخرى، وانحسار الوجود المسيحيّ في تكريت بهجراتٍ متعاقبة إلى بغديدا وبرطلّة والموصل وسواها. «فالتكريتيّون هجروا مدينتهم حفاظًا على إيمانهم... نستطيع أن نستنتج... أنّ (النصرانيّة) انقرضت فيها قرابة سنة 1700».

حاضرة السريان

ورغم ما شهدته المدينة من تغيرات عبر العصور، بقي اسم تكريت حاضرًا في الذاكرة السريانيّة بوصفها «عاصمة كنيسة المشرق السريانيّة وموطن قيادتها الروحيّة. فيها التقت حضارة هذا الشرق المتمثّلة بالسريانيّة الساميّة وريثة أمجاد ما بين النهرين الخالدة والعريقة، والعربيّة الصافية البكر... لتشكّلا حاضرة رائدة».