اشتهرت تكريت أيضًا بمدارسها السريانيّة التي «كانت منارات علم ومعرفة، تخرّج فيها مترجمون وأطبّاء وفلاسفة وعلماء لاهوت، ولقد أزهر وجودها الحيويّ في تكريت أيّام كونها أحد المراكز الثقافيّة... نذكر منها: مدرسة أوينا، مدرسة جبلتا، مدرسة دير العذارى، مدرسة مارن عمّا، مدرسة باباي الجبيلتي».
استمرّ الحضور المسيحيّ في تكريت بعد الفتح الإسلاميّ لتكريت عام 637، بل واصلت كنيستها ومفريانيّتها ومؤمنوها دورهم الفاعل في ازدهارها وتطوّرها، فاستحقّت أن يذكرها مؤرّخون عرب عدّة، مدوّنين ذكرياتهم وانطباعاتهم عن زيارتها، ومنهم: الطبريّ، المقدسيّ، ابن حوقل، ابن جبير، ياقوت الحمويّ، ابن الأثير وابن بطّوطة.
وكانت الحقبة بين الجيل التاسع والحادي عشر الميلادي تمثّل الحقبة الذهبيّة لتكريت المسيحيّة. لكنّها تراجعت تدريجيًّا نتيجة الحروب والاضطرابات السياسيّة، ولا سيّما بعد الغزو المغوليّ وما تبعه من تدهور الأوضاع الأمنيّة، الأمر الذي أدّى إلى انتقال مقرّ المفريانية تدريجيًّا إلى مناطق أخرى، وانحسار الوجود المسيحيّ في تكريت بهجراتٍ متعاقبة إلى بغديدا وبرطلّة والموصل وسواها. «فالتكريتيّون هجروا مدينتهم حفاظًا على إيمانهم... نستطيع أن نستنتج... أنّ (النصرانيّة) انقرضت فيها قرابة سنة 1700».
حاضرة السريان
ورغم ما شهدته المدينة من تغيرات عبر العصور، بقي اسم تكريت حاضرًا في الذاكرة السريانيّة بوصفها «عاصمة كنيسة المشرق السريانيّة وموطن قيادتها الروحيّة. فيها التقت حضارة هذا الشرق المتمثّلة بالسريانيّة الساميّة وريثة أمجاد ما بين النهرين الخالدة والعريقة، والعربيّة الصافية البكر... لتشكّلا حاضرة رائدة».