قناة عشتار الفضائية
 

من الدير إلى ساحة الإعدام… قصّة إيمانٍ ثابت في زمن الثورة

 

عشتارتيفي كوم- آسي مينا/

 

بقلمرومي الهبر

كومبيين, الخميس 16 يوليو، 2026

 

ترفع الثورات غالبًا شعار الحرّية، لكنّها سرعان ما تتحوّل إلى عنف وسفك دماء، حتى تصبح الحرّية نفسها ضحيّة. وتُعدّ الثورة الفرنسيّة مثالًا واضحًا على هذا التناقض؛ فبينما كانت ترفع شعارات التحرّر والمساواة، تكشف قصّة راهبات الكرمل جانبًا آخَر منها.

تأسَّس دير راهبات الكرمل في مدينة كومبيين الفرنسيّة سنة 1641، وسرعان ما اكتسبت الجماعة سمعة طيّبة بفضل غيرتها الروحيّة وأمانتها لتعاليم القدّيسة تريزا الأفيليّة وروحانيّتها. لكن في 17 يوليو/تمّوز 1794، أعدِمت إحدى عشرة راهبة، وثلاث راهبات علمانيّات، واثنتان من المساعِدات الخارجيّات، بقرار من «لجنة السلامة العامة»، وهي هيئة كانت تقود مرحلة «عهد الإرهاب» في خلال الثورة الفرنسيّة. ونُفِّذ الحكم علنًا بواسطة المقصلة.

اعتبَرت الحكومة الثوريّة راهبات كرمل كومبيين «أعداء للدولة». ولم يكُن السبب نشاطًا سياسيًّا أو عملًا عسكريًّا، بل لأنهنّ كرّسنَ حياتهنّ للصلاة، وتخلّينَ عن الاهتمامات الدنيويّة، واخترن خدمة المسيح بتواضع، وهو أسلوب حياة رأت فيه السلطة تحدّيًا للنظام الجديد وتمرّدًا على ما فرضته الدولة.

ورفضت الراهبات التخلّي عن نمط حياتهنّ الرهباني، فاعتُقِلن، وخضعن للمحاكمة، واتُّهمن بالخيانة، ثمّ صدر بحقّهنّ حكم الإعدام. وعندما نُقلن إلى ساحة الإعدام، كان حشد غاضب ينتظر تنفيذ الحكم. لكنّ ما جرى خالفَ توقّعات الجميع. فقد خيَّم على الحشد صمتٌ تامّ عند رؤية الراهبات اللواتي سِرنَ بثبات وكرامة. وقال أحد الشهود إنّ كلّ واحدة من الراهبات بدت كعروس في يوم زفافها.

ذلك الصمت لم يُبدّده سوى صوت الراهبات وهنّ يُرتّلنَ ترنيمة «تعالَ أيّها الروح الخالق» (Veni Creator Spiritus). وتقدَّمت كلّ راهبة نحو المقصلة، لكنّها كانت أوّلًا تركع أمام الرئيسة وتسألها: «أمّي، أتسمحين لي بأن أموت؟»، فتجيبها: «اذهبي يا ابنتي». وبعد عشرة أيّام على إعدام الراهبات، سقطت الحكومة الثوريّة التي أمرت بقتلهنّ، وانتهت بذلك إحدى أكثر مراحل الثورة الفرنسيّة دمويّة.