عشتارتيفي كوم- مونت كارلو الدولية/
أقرّ البرلمان الفرنسي نهائياً، الأربعاء، قانون "المساعدة على الموت"، في محطة تشريعية تاريخية تُعد من أبرز الإصلاحات المجتمعية خلال عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، لتصبح فرنسا أحدث دولة تنضم إلى مجموعة محدودة من الدول التي تسمح، ضمن ضوابط قانونية صارمة، بالانتحار بمساعدة الغير أو القتل الرحيم.
وجاء إقرار القانون بعد سنوات من الجدل السياسي والأخلاقي والطبي، ومسار برلماني طويل شهد رفضاً متكرراً من مجلس الشيوخ، فيما ينتظر النص الآن مراجعة المجلس الدستوري قبل إصداره رسمياً ودخوله حيز التنفيذ.
تصويت تاريخي بعد سنوات من الجدل
وصادقت الجمعية الوطنية الفرنسية، في التصويت الرابع والأخير، على مشروع القانون بأغلبية291 نائباً مقابل 241، مع امتناع 29 نائباً عن التصويت، بعد أن منح الدستور الحكومة حق إعطاء الكلمة الأخيرة للجمعية الوطنية إثر رفض مجلس الشيوخ النص ثلاث مرات.
ويُعد هذا التصويت تتويجاً لوعد قطعه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2022، حين أطلق "اتفاقية المواطنين" حول نهاية الحياة، التي أوصت في فبراير/شباط 2023 بإقرار "المساعدة الفعالة على الموت".
وقال ماكرون عقب التصويت: "في عام 2022 تعهدت بفتح هذا الطريق مع الفرنسيين، وبكل جدية وتواضع، وفي احترام كامل لديمقراطيتنا، أفي اليوم بهذا الالتزام"، موجهاً الشكر لكل من شارك في النقاشات، ولا سيما المرضى وعائلاتهم الذين نقلوا تجاربهم وشهاداتهم.
من يحق له الاستفادة من القانون؟
يحصر القانون الجديد الاستفادة من "المساعدة على الموت" بفئة محددة من المرضى، وفق شروط متراكمة يجب استيفاؤها جميعاً، وهي:
- أن يكون طالب المساعدة بالغاً.
- أن يحمل الجنسية الفرنسية أو يستوفي شروط الإقامة التي يحددها القانون.
- أن يكون مصاباً بمرض خطير وغير قابل للشفاء.
- أن يكون المرض في مرحلة متقدمة أو نهائية ويهدد حياته.
- أن يعاني آلاماً جسدية أو نفسية مستمرة مرتبطة بالمرض، لا تستجيب للعلاج أو لا تُحتمل.
- أن يكون قادراً على التعبير عن إرادته بصورة حرة وواعية، مع احتفاظه بحق العدول عن طلبه في أي مرحلة.
وقد تخلى المشرعون عن معيار "مدة الحياة المتوقعة" الذي كان وارداً في المشروع الحكومي الأول، بعدما اعتبر الأطباء والهيئة العليا للصحة أن تقدير الوقت المتبقي لحياة المريض أمر بالغ الصعوبة، وقد يحرم مرضى الأمراض العصبية التنكسية، من الاستفادة من القانون.
كيف تتم الإجراءات؟
يتولى الطبيب دراسة الطلب بعد التحقق من استيفاء شروط الأهلية، ويستشير طبيباً آخر مختصاً بالمرض، إضافة إلى أحد أعضاء الفريق العلاجي الذي يعرف المريض، مع إمكانية طلب رأي اختصاصيين آخرين أو طبيب نفسي إذا كانوا يشاركون في علاجه.
ويتعين على الطبيب إصدار قراره خلال 15 يوماً كحد أقصى، وبعد موافقته يحصل المريض على مهلة تفكير لا تقل عن يومين قبل تأكيد طلبه النهائي.
وفي يوم تنفيذ الإجراء، يتحقق الطبيب مرة أخرى من استمرار رغبة المريض في إنهاء حياته، كما يتعين عليه تعليق الإجراءات وإبلاغ النيابة العامة فوراً إذا اشتبه بوجود أي ضغوط مورست على المريض.
انتحار بمساعدة الغير.. والقتل الرحيم استثناء
ينص القانون على أن يتولى المريض بنفسه تناول المادة القاتلة، وهو ما يجعل الانتحار بمساعدة الغير الشكل الأساسي لتطبيق القانون.
أما إذا كان المريض غير قادر جسدياً على القيام بذلك، فيمكن أن ينفذ الإجراء طبيب أو ممرض، وهو ما يفتح الباب أمام القتل الرحيم في حالات محددة.
ورفض النواب تعديلاً كان يمنح المريض حرية اختيار أن ينفذ الطبيب الإجراء حتى لو كان قادراً جسدياً على القيام به بنفسه.
بند "حرية الضمير"
يمنح القانون الأطباء والممرضين حق الامتناع عن المشاركة في إجراءات المساعدة على الموت استناداً إلى بند حرية الضمير، شريطة إحالة المريض إلى طبيب أو فريق طبي آخر يقبل تنفيذ الإجراء.
لكن النص لم يتضمن بنداً مماثلاً للمؤسسات الصحية أو دور رعاية المسنين، وهو ما أثار اعتراض عدد من المؤسسات، ولا سيما التابعة لهيئات دينية، التي كانت تطالب بحق رفض تطبيق القانون داخل منشآتها.
الرعاية التلطيفية
حرص النواب على ألا تتحول المساعدة على الموت إلى بديل عن الرعاية التلطيفية، لذلك ألزم القانون الطبيب بالتأكد من أن المريض يستطيع الحصول على الرعاية التلطيفية إذا رغب في ذلك.
كما سبق أن أقر البرلمان قانوناً يضمن المساواة في الوصول إلى خدمات الرعاية التلطيفية، فيما تعهدت الحكومة بزيادة التمويل المخصص لهذا القطاع بنسبة 60% بحلول عام 2034، بما يعادل5.5 مليارات يورو إضافية خلال عشر سنوات.
انقسام سياسي وأخلاقي
رغم أن أغلبية نواب اليسار والمعسكر الرئاسي صوتوا لصالح القانون، في حين عارضه معظم نواب اليمين واليمين المتطرف، فإن جميع الكتل البرلمانية تركت حرية التصويت لأعضائها نظراً للطابع الأخلاقي والشخصي للقضية.
وشهدت النقاشات تراجع عدد من النواب عن مواقفهم المؤيدة، مع تحذيرات من احتمال توسع نطاق تطبيق القانون مستقبلاً ليشمل فئات جديدة.
واعتبر النائب عن حزب التجمع الوطني كريستوف بنتز أن المجتمع "ليس من حقه التخلي عن حماية الفئات الأكثر هشاشة"، بينما وصف النائب أوليفييه فايسا المساعدة على الموت بأنها "عملية قتل".
في المقابل، أكد مؤيدو النص أنه يضع معايير صارمة ويجعل اللجوء إلى المساعدة على الموت استثناءً وليس قاعدة.
الكنيسة والأطباء يعارضون
وصف رئيس مؤتمر أساقفة فرنسا، الكاردينال جان مارك أفلين، إقرار القانون بأنه "قطيعة خطيرة في تاريخ فرنسا"، محذراً من أنه سيغير نظرة المجتمع إلى الشيخوخة والإعاقة والمرض والهشاشة الإنسانية.
كما أعربت الجمعية الفرنسية للمرافقة والرعاية التلطيفية عن أسفها لإقرار قانون "ضد أولئك الذين سيضطرون إلى تطبيقه"، مؤكدة أن العاملين في هذا القطاع عبّروا طوال النقاشات عن تحفظات عميقة لم تؤخذ في الاعتبار.
في المقابل، رحبت جمعية "الحق في الموت بكرامة (ADMD) بالتصويت، واعتبرته يوماً تاريخياً للحرية".
المجلس الدستوري قبل دخول القانون حيز التنفيذ
ورغم الإقرار النهائي للنص، فإنه لن يدخل حيز التنفيذ مباشرة.
وقال أحد أعضاء الحكومة إنها "ليست مرتاحة تماماً لهذا النص"، وعلى غرار رئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، المنتمي إلى اليمين، أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، أنه سيحيل النص إلى المجلس الدستوري، مراعاةً للاعتراضات التي لا تزال قائمة، ولا سيما في صفوف اليمين.
وأكدت المتحدثة باسم الحكومة مود بريجون أن خيار إحالته لمجلس الشيوخ اتُّخذ "بالتشاور مع رئيس الجمهورية".
وسيبت المجلس الدستوري خصوصا في مدى توافق بعض مواد القانون، ومنها مهلة التفكير البالغة يومين، مع مبادئ الحرية الفردية والكرامة الإنسانية.
وقال رئيس مجلس الشيوخ، جيرار لارشيه، المنتمي إلى حزب الجمهوريين، لصحيفة "لو فيغارو"، في 8 يوليو/تموز: "لم تقترح الحكومة الضمانات الوقائية الضرورية ولم تدافع عنها، ولا سيما في مسألة رئيسية بالنسبة إليّ، وهي بند الضمير الخاص بالمؤسسات".
وترغب مؤسسات رعاية صحية أو دور للمسنين المعتمدين طبياً، معظمها مملوك لجمعيات أو رهبانيات دينية، في أن يتضمن النص بنداً جماعياً للضمير يمكنها الاحتجاج به لرفض ممارسة المساعدة على الموت.
وفق هذا المبدأ سيتمكن الأطباء والممرضون الذين لا يرغبون في المشاركة في إجراءات المساعدة على الموت من الاحتجاج ببند الضمير.
وسيكون أمام المجلس الدستوري شهر واحد لإصدار قراره.
وإذا صادق المجلس الدستوري على القانون، فسيوقعه الرئيس إيمانويل ماكرون، قبل أن تبدأ الحكومة بإعداد المراسيم التنفيذية التي ستحدد آليات تطبيقه.
أين تقف فرنسا أوروبيا؟
بانضمامها إلى هذا المسار، تصبح فرنسا أحدث دولة أوروبية تشرّع المساعدة على الموت، إلى جانب هولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ وإسبانيا وسويسرا والنمسا، مع اختلاف كبير في شروط التطبيق بين دولة وأخرى.
ففي حين تسمح هولندا وبلجيكا بالقتل الرحيم والانتحار بمساعدة الغير منذ عام 2002، وتوسع نطاقهما لاحقاً ليشمل بعض القاصرين، تقتصر سويسرا على السماح بالانتحار بمساعدة الغير ولا تسمح بالقتل الرحيم، بينما لا تزال البرتغال وسلوفينيا تواجهان عراقيل دستورية وسياسية، وتواصل المملكة المتحدة وإيطاليا مناقشة مشاريع تشريعية لم تحسم بعد. |