عشتارتيفي كوم- آخر خبر/
يواصل العالم أنينه تحت وطأة صنوف مختلفة من الأمراض التي تفتك بصحة سكانه في مختلف البقاع، وتندرج أمراض المناعة الذاتية ضمن قائمة طويلة من المشكلات الصحية المُوثقة، والتي باتت تسجل انتشارا ملحوظا في الآونة الأخيرة، خصوصا في الدول الصناعية المتقدمة في الجزء الغربي من الكرة الأرضية.
وتشير الإحصائيات -على الرغم من ضعف التوثيق الدقيق لحالات المناعة الذاتية- المرصودة إلى أن 8% إلى 10% من سكان العالم يعانون من أحد أمراض المناعة الذاتية، التي ينضوي تحت مظلتها أنواع مختلفة وصل تعدادها لما يقارب 150 مرضا، أكثرها شيوعا مرض السكري النوع الأول، والتهاب المفاصل الروماتويدي، وداء الأمعاء الالتهابي، والتصلب اللويحي، والذئبة الحمامية وغيرها.
أعباء صحية ترهق المرضى والدول
تشكل أمراض المناعة الذاتية عبئا صحيا يرهق قطاعات الرعاية الصحية، خصوصا مع عدم توفر علاج شافٍ نهائي لها، إذ تعتمد على تخفيف الأعراض باستخدام المثبطات المناعية التي يتطلب استخدامها فترة زمنية طويلة، فتزيد تكلفة علاج المرض ومن ثم الأعراض الجانبية والمضاعفات التي تتسبب بها هذه الأدوية.
كيف يهاجم الجسم نفسه؟
توصف أمراض المناعة الذاتية على أنها خلل مناعي يتسبب بفرط استثارة الخلايا التائية والبائية (من أنواع الخلايا المناعية) فتفقد بوصلتها لتهاجم خلايا وأنسجة الجسم عوضا عن حمايته، ما يتسبب بأضرار صحية وتلف في الأعضاء والأجزاء المستهدفة نتيجة حالة التهيج المزمنة التي تطرأ في الجسم، فتحدث أمراض موسومة وفقا للجهاز أو العضو الذي تمت مهاجمته.
حاول العلماء التوصل إلى سبب اختلال الجهاز المناعي المفاجئ هذا منذ اكتشاف أول حالة في عام 1904، عندما سجل الطبيبان النمساويان يوليوس دوناث (Julius Donath) وكارل لاندشتاينر (Karl Landsteiner) أول مشكلة مناعة ذاتية بإنتاج أجسام مضادة تجاه خلايا الدم الحمراء في جسد أحد المرضى.
لكنْ حتى الآن لا يزال السبب الرئيسي لأمراض المناعة الذاتية غير معروف على وجه الدقة، فتتداخل مجموعة عوامل يُعتقد أنها قد ترفع خطر الإصابة بأحد أمراض المناعة الذاتية، ويُنسب إلى العوامل الجينية نحو 30% من الحالات المسجلة، بينما تتشارك بقية العوامل بنسبة 70%؛ كالجنس (النوع)، أو بعض العوامل البيئية، أو ربما مستوى الهرمونات وطريقة تفاعلها مع بعضها البعض.
فما العوامل والمسببات التي تقف وراء الزيادة الملحوظة في أعداد المصابين بأمراض المناعة الذاتية خلال العقود القليلة الفائتة؟
انتشار النظام الغذائي الغربي
يشير كثير من الباحثين إلى أن اتباع أسلوب الحياة الغربي في الطعام والعادات اليومية الأخرى قد يكون أحد أكثر العوامل التي ترتبط بزيادة عدد مرضى المناعة الذاتية بمختلف أنواعها، إذ ربطت بعض الدراسات بين بعض أمراض المناعة الذاتية ذات الصلة بالجهاز الهضمي ونظام الطعام الغربي كأحد عوامل الخطر لها، يأتي في مقدمتها داء الأمعاء الالتهابي الذي يضم مرض كرون والقولون التقرحي.
ففي عام 2012 نشر باحثون من الدانمارك مراجعة في مجلة أمراض الجهاز الهضمي والكبد (Digestive and Liver Disease) أشاروا فيها إلى احتمالية ارتباط الطعام الغني بالبروتينات الحيوانية مع زيادة خطر الإصابة بداء الأمعاء الالتهابي. وعلى الرغم من أنهم لم يؤكدوا سببية العلاقة بينهما، فإنها قد تُعد مؤشرا يستلزم مزيدا من البحث.
وفي حين يُعد ارتباط نوع الطعام مع أمراض المناعة الذاتية في الجهاز الهضمي أمرا غير مستبعد، كانت المفاجأة فيما نشره باحثون من جامعة ميشيغان في مجلة ذا لانسيت (The Lancet) مُظهرين احتمالية ارتباط التصلب اللويحي -مرض عصبي مزمن من فئة أمراض المناعة الذاتية- مع شرب حليب الأبقار تحديدا، مفسرين ذلك بعدد من الفرضيات؛ كأن يتسبب الحليب البقري بإضعاف حاجز تبادل المواد الغذائية بين الدماغ والدم، أو خلخلة وظائف الجهاز المناعي، أو ربما المشاركة في إنتاج غمد مياليني (يحيط بالمحاور العصبية) ضعيف، مما يجعل الخلايا والأنسجة أكثر عرضة للمرض.
لكنْ لم يستطع الباحثون إثبات سببية العلاقة، ودعوا إلى إجراء مزيد من الدراسات لتوكيد ارتباطهما من عدمه، يُذكر أن حليب الأبقار يندرج ضمن النظام الغذائي الغربي كأحد مصادر البروتين.
ولتفسير الآلية التي يتسبب فيها النظام الغذائي الغربي بحدوث اختلال في جهاز المناعة حتى يهاجم الجسم، توصل باحثون من الولايات المتحدة وألمانيا في عام 2019 إلى أن تناول الأطعمة المصنعة ذات المحتوى المنخفض من الألياف والعناصر الغذائية المهمة لفترات طويلة يؤدي إلى سلسلة تغييرات وظيفية داخل الجسم فيحدث خلل في أيض الدهون ومصادر الطاقة الغذائية، بالتالي تنشيط الجهاز المناعي، إضافة إلى تأثير هذا النوع من الطعام على تنوع الميكروبيوم في الأمعاء وتركيبها، فيختل الحاجز المعوي وتفقد الخلايا المناعية توازنها مثيرة استجابة التهابية قد تمتد إلى أعضاء أخرى مسببة عدة اضطرابات، منها مشكلات المناعة الذاتية.
ويعتمد النظام الغذائي الغربي "ويسترن دايت" (Western diet) على أصناف من الأطعمة مصنعة التي بدأت تغزو الأسواق والمطاعم بعد الثورة الصناعية، وتسللت شيئا فشيئا نحو الشرق، فأسهمت بتقديم أطباق جديدة من الطعام الذي يتضمن خليطا من مواد غذائية مرت عبر عمليات معالجة وخطوات متعددة، وترتكز على الأطعمة الغنية بالأملاح والدهون المشبعة والبروتينات والسكر، إلى جانب الإكثار من تناول المأكولات الجاهزة، ويشمل الحبوب المكررة واللحوم المصنعة والمشروبات المحلاة بتراكيز عالية والحلويات الجيلاتينية والأطعمة المقلية والمعلبة ومشتقات الألبان عالية الدهون وغيرها.
التعقيم المفرط
يعتقد بعض المتخصصين بأن فرضية النظافة أو التعقيم المفرط هي أحد أبرز عوامل رفع معدلات الإصابة بأمراض المناعة الذاتية والحساسية، إذ أدى اتباع أسلوب الحياة مفرط التعقيم ضد الجراثيم المختلفة بهدف خفض نسبة الإصابة بالأمراض المعدية إلى تخفيف معدل تعرض الإنسان للعدوى التي تسببها كائنات دقيقة رافقته منذ ولادته لتستطيع -لاحقا- توفير درع واقٍ يرفع مناعته ويحميه.
ومع غياب هذه الكائنات اختل الجهاز المناعي وأصبح أكثر عرضة للمشكلات الذاتية، وذلك وفق ما نشره باحثون من مستشفى نيكر للأطفال المرضى في فرنسا عام 2010، مشيرين إلى أن ذلك يحدث عبر آليات مختلفة داخل الجسم، لكنْ دون توكيدهم للعلاقة المباشرة، مع التوصية بإجراء مزيد من التجارب للكشف عن دقة ادعائهم.
في عام 2021 نشر مجموعة باحثين من إيطاليا مراجعة في مجلة "أوتوإيميونيتي ريفيوز" (Autoimmunity Reviews) دعمت الاستنتاجات السابقة، إذ أظهروا أن المجتمعات الحضرية الحديثة وما رافقها من فرط استخدام المعقمات للتخلص من العدوى والسيطرة عليها، قلّلا من فرص تعرض الإنسان المعاصر للجراثيم والطفيليات التي تسهم في تدريب الجهاز المناعي على التعامل مع المحفزات البيئية التي قد يتعرض لها، سواء كانت خطيرة أو دون ذلك، فيفقد مع الوقت قدرته على تحمل ما يتعرض له نتيجة انخفاض كفاءة الخلايا التائية تحديدا، ما قد يؤدي إلى تنشيط الجهاز المناعي بإفراط، وهو ما قد يفسر انتشار الأمراض الذاتية من وجهة نظرهم، أبرزها التصلب اللويحي والسكري النوع الأول.
اعتمد الباحثون في ذلك على البيانات المتراكمة التي تعزز هذه الفرضية التي نشأت لأول مرة عام 1870 عندما لاحظ الطبيب البريطاني تشارلز بلاكلي (Charles Blackley) انتشار حمى القش أو حساسية الأنف بين الطبقة الأرستقراطية وسكان المدن بنسبة أعلى مقارنة مع المزارعين، ما يعني أن كثرة تعرضهم للمهيجات -الأشجار وحبوب واللقاح- أسهم في تقليل رد الفعل الالتهابي الذي تتسبب به هذه المحفزات.
تقلبات الطقس
تُعد تقلبات الطقس التي يشهدها العالم أحد أبرز التحديات التي يواجهها، إذ تتسبب بأضرار صحية للكثيرين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ولعل موجات الحر وما يرافقها من درجات حرارة عالية ومستمرة ليلا ونهارا قد تسهم في خلخلة الوظائف المناعية في الجسم وفق المراجعة السردية التي طرحها باحثون من إيطاليا عام 2025، إذ توصلوا إلى أن التعرض لدرجات الحرارة المرتفعة قد يؤدي إلى فرط إنتاج الجزيئات المسؤولة عن نقل الإشارات الوظيفية مما يحفز ارتفاع معدل الاستجابة الالتهابية وتثبيط المناعة.
أيضا، أشاروا إلى أن التعرض للتقلبات المناخية يُضعف الخلايا الظهارية التي تشكل بطانة الجلد والرئتين والأمعاء، فيختل التوازن ضمن بيئة الميكروبيوم الموجود فيها ومن ثم اضطراب الجهاز المناعي وعجزه عن أداء وظائفه.
في المقابل، سلط مجموعة باحثين من قبرص الضوء على تأثير درجات الحرارة المتدنية وعلاقتها مع أمراض المناعة الذاتية، إذ أشاروا إلى أن الأجواء الباردة تتضمن انخفاض معدل التعرض لأشعة الشمس بسبب حجب الغيوم لها معظم الوقت، بالتالي تقليل إنتاج فيتامين "د" الضروري لإتمام الوظائف المناعية، مما يرفع خطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية خصوصا التصلب اللويحي.
يُذكر أن العالم اليوم يستظل بالتقلبات المناخية الشديدة التي تسببت في موجات الحر والفيضانات والأعاصير وغيرها من الكوارث المناخية، وهو ما يزيد الأعباء الصحية على الأنظمة الصحية العالمية ويرهقها، وسط توقعات بزيادة معدل تقلبات الطقس تصاعديا حتى 2050.
القلق والتوتر
يمثل القلق والتوتر الذي يلازم البعض لفترات طويلة أحد العوامل التي تسهم في رفع خطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية، ففي تجربة مخبرية على الجرذان أجراها باحثون من الهند، تبين أن تحفيز مشاعر التوتر والقلق مطولا يؤدي إلى اختلال المناعة ويرفع مؤشرات الالتهاب والإجهاد التأكسدي مسببا الإصابة ببعض أمراض المناعة الذاتية مثل التهاب المفاصل الروماتويدي والصدفية.
دراسة أخرى نُشرت في مجلة الطب النفسي والجسدي "سايكوسوماتيك ميديسن" عام 2012 أظهرت ارتفاع خطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية بين الأطفال الذين تعرضوا لصدمات نفسية، مع احتمالية تشخيصهم بهذه الأمراض حتى بعد عقود من انقضاء مرحلة البلوغ، الدراسة ضمت 15 ألفا و357 بالغا سجلوا عضويتهم في إحدى منظمات الرعاية الصحية في كاليفورنيا في الفترة بين عامي 1995 و1997، ثم تمت متابعتهم حتى عام 2005.
يُذكر أن التوتر يمكن أن يعطل الوظائف المناعية في الجسم، وتشير الأدلة إلى أن ما يقارب 80% من مرضى المناعة الذاتية تعرضوا للتوتر كأحد العوامل المحفزة قبل ظهور المرض.
أمراض المناعة الذاتية: سبب الانتشار المحتمل
بتنا نعيش في عالم يرزح تحت وطأة الحروب والظروف والانتكاسات الاقتصادية التي ألقت بظلالها على العالم شرقه وغربه، مما أثار موجة عارمة من التوتر والقلق الذي باتت تعانيه شريحة واسعة من سكان الأرض.
أما التقلبات المناخية وظروف الطقس غير المستقرة فهي الأخرى مما يميز عصرنا الحالي، فتارة نكتوي بموجات الحر التي لا تُطاق صيفا، وتارة يتسلل البرد إلى عظامنا في أقسى أيام الشتاء الباردة، بموازاة تزاحم الأنماط الحديثة في الطعام والشراب والنشاط الجسدي الذي وصل إلى أدنى مستوياته، إلى جانب رهاب العدوى الذي يؤدي إلى فرط التعقيم المستمر، فإذا كانت هذه العوامل مما انتشر وعمّ، فهي قد تفسر سبب تفاقم أعداد المصابين بأمراض المناعة الذاتية. |