عشتارتيفي كوم/
بقلوب يملؤها الاعتزاز والإجلال، نستذكر في السابع من آب يوم الشهيد الكلداني السرياني الآشوري (سورايا), اليوم الذي يخلد ذكرى آلاف الشهداء الأبرياء الذين دافعوا عن وجودهم وهويتهم وكرامتهم، وفي مقدمتهم شهداء مجزرة سميل عام 1933، إلى جانب جميع شهداء شعبنا الذين سقطوا عبر مختلف المراحل التاريخية.
لقد تعرض شعبنا، منذ سقوط الكيانين السياسيين في نينوى عام 612 ق.م وبابل عام 539 ق.م، لسلسلة طويلة من المآسي، شملت التهجير القسري والتهميش والقتل والاضطهاد. وبعد انهيار الإمبراطوريتين، لجأ من بقي متمسكا بإرث حضارتي بابل وآشور إلى جبال ووديان هكاري وأورمية وبلاد الشام، حيث عاشوا قرونا طويلة محافظين على هويتهم القومية.
غير أن اندلاع الحرب العالمية الأولى وما رافقها من مشاريع استعمارية أعاد المأساة إلى الواجهة، إذ أدت اتفاقيات تقسيم المنطقة إلى تشتيت أبناء شعبنا بين أربع دول، فتمزقت وحدته الجغرافية والاجتماعية. أما الذين لجأوا إلى العراق (الجزء الجنوبي من وطنهم) ، فلم يكونوا أوفر حظا، إذ عانوا ظروفا قاسية من الفقر والمرض والتشرد، قبل أن يتعرضوا لاحقا لمزيد من المآسي.
وشهد القرنان الأخيران محطات دامية في تاريخ شعبنا، بدأً من مذابح بدرخان بك، ومجازر سيفو، وما جرى في طور عبدين خلال الحرب العالمية الأولى، مرورا بمجزرة سميل عام 1933، ومجزرة صوريا عام 1969، والاعتداء الإرهابي على كنيسة سيدة النجاة عام 2010، وما تعرض له أبناء شعبنا في سهل نينوى على يد تنظيم داعش الإرهابي عام 2014، فضلا عن الاغتيالات والتهجير القسري داخل الوطن وخارجه. لقد كانت هذه الجرائم تهدف إلى كسر إرادة هذا الشعب وإفراغ أرضه من سكانها الأصليين، لكن التاريخ أثبت أن إرادة الشعوب لا تُقهر، وأن شعبنا بقي صامدا رغم كل المحن.
إن هذه المناسبة ليست مجرد استذكار لمأساة أليمة، بل هي وقفة وطنية وقومية لاستحضار تضحيات الشهداء الذين أصبحوا رمزا للصمود والتشبث بالأرض، وتجديد الإيمان بحق شعبنا في العيش بحرية وكرامة على أرض آبائه وأجداده. كما أنها مناسبة لتذكير العالم بما تعرض له شعبنا من مآس وظلم، وللتأكيد على دوره الحضاري والإنساني عبر التاريخ؛ فقد أسهم أبناؤه بدور بارز في نقل العلوم والفلسفة والثقافة الإغريقية إلى الحضارة العربية والإسلامية، وكان لهم إسهام فاعل في بناء الدولة العراقية الحديثة، كما شاركوا جنبا إلى جنب مع إخوانهم الكورد في ثورتي أيلول وكولان، وفي انتفاضة عام 1991، وتحملوا بسبب مواقفهم الوطنية والقومية أثمانا باهظة من الاضطهاد والتهجير ومصادرة الأراضي، فضلا عن الخسائر الكبيرة التي لحقت بمناطق وجودهم نتيجة عدم الاستقرار الأمني الذي شهدته المنطقة.
إن المذابح والجرائم والاضطهاد والتهجير وسلب الحقوق التي تعرض لها شعبنا لم تستهدف مكونا دون آخر، بل طالت جميع تسمياته ومكوناته، وهو ما يؤكد بما لا يقبل الشك أننا أبناء شعب واحد تجمعنا وحدة التاريخ والمصير والهوية. ولا يسعى إلى التفريق بين أبناء هذا الشعب إلا من يحمل مشاريع ومصالح تتعارض مع تطلعاته القومية والوطنية.
ومن هذا المنطلق، فإن المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (سورايا) كان وسيبقى مؤمنا بأن شعبنا، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، هو شعبٌ واحد وهويةٌ قوميةٌ واحدة، وسيواصل نضاله من أجل تثبيت حقوقه القومية والدستورية، وفي مقدمتها الحكم الذاتي في مناطقه التاريخية، وضمان جميع حقوقه القومية في العراق الاتحادي وإقليم كوردستان. كما يؤكد المجلس ضرورة استحداث سجل انتخابي خاص بأبناء شعبنا بما يضمن انتخاب ممثليه الحقيقيين بحرية تامة، بعيدا عن أي ضغوط أو تدخلات خارجية، والعمل على إنهاء جميع التجاوزات على أراضيه وممتلكاته، وترسيخ دولة المواطنة الحقيقية القائمة على المساواة في الحقوق والواجبات وسيادة القانون.
وفي هذا اليوم، ننحني إجلالا أمام تضحيات شهدائنا الأبرار، ونجدد العهد على مواصلة العمل من أجل ترسيخ وحدتنا القومية والوطنية، وصون لغتنا وتراثنا وثقافتنا، والدفاع عن الحقوق المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها ضمان أمنه واستقراره، وحماية وجوده التاريخي في العراق وإقليم كردستان، وترسيخ مبادئ المواطنة والعدالة والمساواة.
كما ندعو جميع أبناء شعبنا إلى أن تكون هذه الذكرى مصدرا للوحدة والتضامن، بعيدا عن كل أسباب الفرقة والانقسام، والعمل بروح المسؤولية للحفاظ على إرث الشهداء، وتحويل تضحياتهم إلى قوة تدفع نحو مستقبل يسوده السلام والحرية والعدالة.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار وشهداء العراق، والرحمة لأرواحهم الطاهرة،
المجلس الشعبي
الكلداني السرياني الاشوري (سورايا)
6 / اب / 2026 |