عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: جورجينا بهنام حبابه
الموصل, الأحد 9 أغسطس، 2026
لا يكاد الباحثُ في مجال النهضة الفكريّة والثقافيّة التي شهدها العراق في القرنَين المنصرمَين يَجِدُ صعوبةً في استنباط الصلة الوثيقة بين كثيرٍ من رِياداتها ورسالة رهبنةِ الإخوةِ الواعظين الدومنيكان وخدمتهم في الموصل التي شرعت عام 1750 وما زالت مآثرها حاضرةً في الوجدان العراقيّ، ومِن أبرزها انطلاقة المسرح في العراق.
يُجمع الباحثون والأكاديميّون على أنّ نعّوم سحّار (1855-1900) أسهَمَ في وضع الحجر الأساس للمسرح في العراق حين جرى تمثيل روايته «لطيف وخوشابا» المُعَرَّبة، بتصرّف، عن الأصل الفرنسيّ «Fanfan et Colas-الأخوان بالرضاعة»، على مسرح مدرسة الآباء الدومنيكان في الموصل عام 1890، قبل طبعها في مطبعتهم الرائدة المعروفة عام 1893، لتكون أوّل مسرحيّة مطبوعة في العراق.
وقال المؤرِّخ بهنام حبّابه في كتابه «الآباء الدومنيكان في الموصل - أخبارهم وخدماتهم»: «إنّ تلك التمثيليّة، كما قيل في حينه، نالت استحسان الأهالي، وتكلّمَ الناس عنها طويلًا، حيث عالجت موضوعًا تربويًّا وأخلاقيًّا قلَّما عولِج في تلك الفترة». وأشار إلى أنّ سحّار «لم يكُن معلِّمًا عاديًّا، إنّما كان رائد المسرح العربيّ في أيّامه».
ولا يُمكن اعتبار سحّار مجرّد مترجمٍ، إذ نجح في تطويع الأصل الفرنسيّ ليُناسب البيئة العراقيّة، والموصليّة خصوصًا، ويُعالج قضايا تهمّ المجتمع المحلّي، وفي مقدّمها الفوارقُ الطبقيّة، مستخدمًا مزيجًا من الفصحى واللهجة الموصليّة الدارجة. و«ترجَم مسرحيّة أُخرى عن الفرنسيّة عنوانها (الأمير الأسير) جرى تمثيلها سنة 1895»، وفق حبّابه.
ولسحّار مسرحيّات وروايات أخرى، تدارَسَ نصوصها الدكتور علي الربيعي في كتابه «المسرحيّات المفقودة»، وهي: «إيّاكَ ومعاشرة الأشرار، الفَتَيان الأسيران، الرأس الأسود، الدراهم الحمراء».
عائلة سحّار
وُلد نعّوم فتح الله سحّار في مدينة الموصل العراقيّة عام 1855، وهو شقيق المطران يوحنّا سحّار الذي كان راعي أبرشيّة عقرة الكلدانيّة (1893-1909).
دخَلَ في صباه مدرسة الآباء الدومنيكان وتعلّم فيها اللغة العربيّة، كما أتقن الفرنسيّة والتركيّة. «ونظرًا إلى تفوّقه، اختاره الآباء المذكورون معلِّمًا في المدرسة بعد تخرُّجه فيها، لِما توَسَّموه فيه من نشاط وذكاء وشخصيّة مرموقة».
إلى جانب إشرافه على التعليم، اتّخَذه الآباء الدومنكان وكيلًا عامًّا عن أمور الدَّير لدى الحكومة العثمانيّة، وتابع سحّار كذلك سير العمل في مطبعة الآباء الدومنيكان. ويَظهر في الصورة المُرفقة مع فريق العاملين فيها «كامل القيافة، وعلى رأسه الطربوشُ المعروف مع العباءة الشرقيّة وسائر الملابس التقليديّة في تلك الأيّام، مع ساعة الجَيب بسلسلتها ومفتاحها الضروريّ لِنصبها!»، وفقَ وَصفِ حبّابه.
ومن مؤلفّاته الأخرى: «أحسن الأساليب لإنشاء الصكوك والمكاتيب» و«مجموع فوائد»، و«التحفة السنيّة لطلاب اللغة العثمانيّة» وسواها، طُبِعَت جميعها في مطبعة الآباء الدومنيكان، فضلًا عن نظمه الشعر، وقد وَرَدَت في كتاب تاريخ الموصل للقسّ سليمان صايغ أبياتٌ من نظمه.
ربّى المعلّم نعّوم سحّار، في سنوات خدمته التعليميّة، تلاميذ أوفياء كثيرين «أعجِبوا بأستاذهم وتنادَوا للاحتفال بيوبيله الفضّيّ، مستذكرين مرور 25 سنةً على نهوضه بمهمّة التعليم (وذلك في العام 1900)، لكنّه يمرض فجأةً ولا يلبث أن ينتقل إلى دار البقاء في العام عينه، عن 45 ربيعًا».
|