قناة عشتار الفضائية
 

ديرا الهندَين الكبرى والصغرى... شاهدان على تجذّر المسيحيّة في بلاد النهرَين

 

عشتارتيفي كوم- آسي مينا/

 

بقلمجورجينا بهنام حبابه

أربيل, الأربعاء 12 أغسطس، 2026

 

يرتبط ديرا الهندَين الكبرى والصغرى ارتباطًا وثيقًا بتاريخ المسيحيّة في مملكة الحِيْرة، لا سيّما زمن ازدهارها، إذ كانت منذ أوائل القرن الخامس مقرًّا لأبرشيّةٍ مشرقيّة، وحضر أسقفها هوشع في مَجْمَع إسحق عام 410، وانتشرت فيها الكنائس وعُمِّرَت الأديار.

ولعلَّ أشهر أديار الحِيْرة ديرا هند الكبرى وهند الصغرى، اللذان ارتبطا بنساء من العائلة المالكة اللخميّة.

 

دير هند الكبرى

من أشهر أديار الحِيْرة، بَنَتْه هند بنت الحارث بن عمرو بن حجْر آكل المرار الكِنْديّ، وهي زوج الملك المنذر الثالث (514-563) المعروف بابن ماء السماء، وأمّ الملك عمرو بن هند الذي قُتِل على يد الشاعر عمرو بن كلثوم في الحادثة التاريخيّة المعروفة، ثمّ «حُمِلَت الجنازة إلى الحِيْرة ودُفِنَت في دير أمّه... وكانت مسيحيّة وتُسمّى هند الكبرى، وهي عمّة امرئ القيس الشاعر المشهور»، وفق كتاب «تاريخ ملوك الحيرة».

وذكَرَ محمّد سعيد الطريحيّ في كتابه: «الديارات والأمكنة النصرانيّة في الكوفة وضواحيها» موقعَ الدير على طرف النَجَف، وهي محافظةٌ عراقيّة. وثمّة نقش في صدر الدير جاء فيه: «بَنَت هذه البيعة هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر، الملكة بنت الأملاك، وأمّ الملك عمرو بن المنذر، أمَة المسيح وأمّ عبده وبنت عبيده. في مُلْك ملك الأملاك خسرو أنوشروان، في زمان مار أفريم الأسقف. فالإلهُ الذي بَنَتْ لهُ هذا الدير يغفر خطيئتها ويترحَّم عليها وعلى ولدها، ويقبل بها وبقومها إلى إمانة الحقّ، ويكون الله معها ومع ولدها. الدهر الداهر».

 

دير هند الصُغرى

هي هند بنت النعمان بن المنذر بن امرئ القيس بن النعمان اللّخميّ، ويصفها المؤرّخون بأنّها كانت من أجمل نساء زمانها وأهلها، ومن ذوات الفصاحة والأدب والشعر. تزوّجت بعدي بن زيد العبادي «الذي رآها في يوم خميس الفصح في إحدى بِيَع الحِيْرة فأحَبَّها وتزوّجها».

وكان هذا الدّير من أكبر أديار الحِيْرة وأعمرها وأشهرها، ويقع في ظاهرها قريبًا من الكوفة. واختلفت الروايات في سبب بنائه. ففي روايةٍ أنَّ النعمانَ، والد هند، بناه لها لتتعبّد فيه. وفي أُخرى أنَّ هندًا هذه، لمّا قتل أبوها النعمان زوجها عديّ، «ترهّبت وحبَست نفسها في الدير المعروف باسمها في ظاهر الحِيْرة... واحتبست في الدير حتّى ماتت»، وسواها كثير.

 

دير هند... يجلّ عن الوصف

قيل شعرٌ كثيرٌ في وصف جمال موقع «دير هند» وحسنه، رغم أنّ المصادر لم تُميّز إنْ كان المقصود دير الكبرى أم الصغرى. ولا عجب، فهذا كان من أديار المناذرة، وهم العائلة المالكة في الحِيْرة. «وقد كان النعمان يُصلّي به ويتقرّب فيه. وعلّقَ في هيكله خمسمئة قنديلٍ من ذهبٍ وفضّةٍ، وكانت أدهانها في أعياده من زئبق وبان وما شاكَلها من الأدهان. ويوقَد فيه من العود الهنديّ شيءٌ يجلّ عن الوصف».