قناة عشتار الفضائية
 

غبطة البطريرك يوحنا العاشر: مسيحيو الشرق الأوسط يجب أن ينتقلوا من عقلية "الناجين" إلى "صُنّاع السلام"

 

عشتارتيفي كوم- oikoumene.org/

11أيلول 2026

 

في خطابه الذي ألقاه في دير "بوزيه" بإيطاليا، دعا غبطة البطريرك يوحنا العاشر، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، إلى تبني نهج جديد تجاه الوجود المسيحي في الشرق الأوسط؛ نهج يتجاوز سرديات التراجع والبقاء وحماية الأقليات، ويعترف بالمسيحيين كمواطنين كاملين وشركاء فاعلين في بناء مجتمعات سلمية وشاملة للجميع.

وأكد غبطته في كلمته التي حملت عنوان "حضور حي ومستقبل مشترك: مسيحيو الشرق الأوسط. من ناجين إلى صُنّاع سلام"، أن المسيحية ليست وجوداً غريباً أو هامشياً في المنطقة. وقال: "عندما نتحدث عن المسيحيين في الشرق الأوسط، لا ينبغي لنا أن نبدأ باختفائهم؛ بل يجب أن نبدأ بوجودهم"، مذكّراً بأن المسيحية وُلدت في الشرق الأوسط وأن التلاميذ دُعوا مسيحيين أولاً في أنطاكية.

وأشار إلى أن المسيحيين ساهموا عبر القرون في تاريخ المنطقة وثقافتها وحياتها الفكرية وتطورها من خلال كنائسهم وأديرتهم، وكذلك مدارسهم وجامعاتهم ومستشفياتهم ومؤسساتهم الاجتماعية. وأضاف: "الوجود المسيحي لا يقتصر فقط على ما يحتاجه المسيحيون من المجتمع، بل يتعلق أيضاً بما يقدمونه للمجتمع".

 

نحو مواطنة متساوية

وحذر البطريرك يوحنا العاشر من اختزال مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط في إطار "حماية الأقليات". ورغم أن الأمن وحرية المعتقد يظلان أمرين أساسيين، إلا أنه شدد على أن الهدف يجب أن يكون أوسع: مواطنة متساوية ومشاركة كاملة في المجتمع.

وقال: "يجب أن نطمح إلى مواطنة متساوية؛ مجتمع لا يقتصر فيه المسيحيون على البقاء فحسب، بل يشاركون فيه بشكل كامل. مجتمع يقف فيه المسلمون والمسيحيون وأصحاب كل دين أو معتقد متساوين أمام القانون". وأوضح أن هذه الرؤية ليست مجرد تطلع مسيحي، بل هي مسألة حكم رشيد، وكرامة إنسانية، واستقرار اجتماعي.

وفي معرض حديثه عن الهجرة المستمرة للمسيحيين من المنطقة، وخاصة الشباب، أقر البطريرك بآثار النزاعات، وغياب الأمن، والصعوبات الاقتصادية، والتمييز، والنزوح. لكنه شدد على أن مجرد مناشدة المسيحيين للبقاء في بلدانهم لا تكفي، قائلاً: "يجب أن نساعد في خلق الظروف التي تجعل البقاء خياراً ذا معنى"، مؤكداً على الحاجة للأمن، الفرص الاقتصادية، حرية ممارسة العبادة، وقبل كل شيء الأمل في مستقبل مشترك. وتساءل: "أي نوع من الشرق الأوسط سنبنيه إذا لم يعد شبابه يؤمنون بقدرتهم على بناء مستقبلهم هناك؟"، مشيراً إلى أن هذا السؤال يخص المسيحيين والمسلمين على حد سواء.

 

إعادة بناء الثقة والسلام

وأكد غبطته أن القيادة السياسية والمؤسسات العامة القوية تعد ضرورية لمثل هذا المستقبل. ولا يمكن للمجتمعات المسيحية أن تعتمد إلى الأبد على أشكال استثنائية من الحماية، أو الرعاية السياسية، أو الاهتمام الدولي في أوقات الأزمات. وبدلاً من ذلك، دعا إلى "مؤسسات تحمي كل مواطن"، وقوانين تُطبق بالتساوي على الجميع، وتعليم يعزز الاحترام بدلاً من الانقسام، وأنظمة سياسية تتيح المشاركة بغض النظر عن الهوية الدينية. وداخل هذه المجتمعات، تقع على عاتق المسيحيين مسؤولية المساهمة بفاعلية في السلام.

وأضاف: "لا ينبغي النظر إلى المسيحيين مجرد مجتمع يحتاج إلى الحماية، بل يجب النظر إليهم كشركاء، خاصة في العمل الصعب المتمثل في إعادة بناء الثقة والسلام بين المجتمعات. وبالتالي، يمكن للوجود المسيحي أن يكون جزءاً من الحل، وليس مجرد موضوع للقلق". وبناءً على ذلك، اقترح البطريرك إعادة صياغة السؤال المركزي؛ فبدلاً من طرح سؤال: "كيف نحافظ على المسيحيين في الشرق الأوسط؟"، ينبغي للكنائس والحكومات والمجتمعات أن تسأل: "كيف نبني شرقاً أوسطاً يمكن فيه للمسيحيين والمسلمين وجميع المواطنين الازدهار معاً؟". وتابع: "إن مستقبل المسيحيين لا يمكن فصله عن مستقبل مجتمعاتهم. فالدفاع عن الوجود المسيحي لا يعني خلق العزلة، بل يعني الدفاع عن مبدأ أن لكل إنسان الحق في الانتماء، والمشاركة، والأمل".

 

الحوار كلقاء مع الآخر

واختتم البطريرك يوحنا العاشر كلمته بالدعوة إلى أن تظل الكنائس والأديرة والمؤسسات المسيحية مساحات حيوية للخدمة، والتعليم، والحوار، والمصالحة. وأعرب عن أمله في أن يتمكن الشباب المسيحي من القول عن بلدانهم: "هذا بيتي. لدي مستقبل هنا، وأريد بناء هذا المستقبل مع جيراني".

وأنهى خطابه برواية قصة من التراث الرهباني المسيحي عن القديس مكاريوس الذي التقى بجمجمة رجل أخبره عن عذاب الجحيم، حيث يُربط الناس ظهراً لظهر، عاجزين عن رؤية وجوه بعضهم البعض أو التحدث سوياً. وإسقاطاً لهذه القصة على واقع المجتمعات التي تتسم بالصراع والانقسام، قدم البطريرك تأملاً ختامياً حول أهمية اللقاء، قائلاً: "إن الجحيم الحقيقي هو الفشل في لقاء الآخر، والعجز عن التواصل معه، وغياب الحوار".